البوابة 24

البوابة 24

الأصنام

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

بقلم: عمر حَمّش

الأصنام ... لستُ أدري متى بالضبطِ؛ هاجمتِ الأصنامُ مدينتنا، ولا من أين تأتتْ لها تلك الحركة العجيبة، كنتُ أعلمُ أنّها خارجَ نطاقِ العمران، إليها أذهبُ مع رفقتي الصغار؛ نركضُ من حولِها، وهي شاخصةٌ بعيون الحجر، نمتطيها في غفلةٍ عن أعين حرّاسنا، وكم من المراتِ كنا قد بلنا في مآقيها ... الأصنامُ ... كانتْ فرجةَ العابرين، قواعدُها كانتْ ملاذَ العاشقين، قربَ غروب الشمسِ وهي تطوي على خصورِها أذرعَ الرخام .. هناك .. كانَ الهمسُ يحلو، والعاشقون يتبادلُون البوحَ، وربما خلسةً القُبل .. كانتْ من الماضي البعيد .. نخاطبُها؛ فلا تستجيب، نركلُها؛ فلا تصيح، كانتْ ميراثا منسيّا من القِدَم .. فقطْ كنا بها نستظلّ .. والشمسُ تأتي على قاماتِها تُطل .. تنفضُ عنها، وعن عيونِ النهارِ ما تبقى من غمام ... لستُ أدري ما جرى .. فجأةً وعلى غير انتظار؛ استطالتْ أصنامُنا، وكلُّ صنمٍ قد خطا. في غفلةٍ غادرتْ .. مشتْ في الطرقاتِ، وفي الأسواقِ، وفي الحارات .. لمْ أدرِ كيف كلُّ هذا حدث، أطفالُنا، ونساؤُنا، وحتى حاكمُ مدينتِنا مُلقي الخُطَب؛ كلّهم لخطوها صفّقوا، وكُلنا صرنا نقفُ متفرجين .. نحاولُ فقط .. نحاولُ فهمَ ما تدبرُه أصنامُنا .. مع الوقتِ .. صارتِ الأمهاتُ تفقدُ صبيانَها، ومع البحثِ يكتشفنَ أنَّهم تحولوا إلى أصنامٍ صغيرة .. مع الوقتِ .. صبيانُ الحجر تكاثروا، وأخذوا يكبرون كحجارةٍ نامية ... غزَتنا الأصنامُ برفقٍ، وحراسُنا نائمون .. وفي نومِ حراسِنا تناسختْ أصنامُنا .. أنا عقلي ظلّ حائرا .. ظلَّ صدري يمور .. أحاولُ، ولا أحاولُ .. أفهمُ، ولا أفهم .. وحيرتي زادت؛ حينما رأيتُ الحاكمَ ذاتَه؛ قد صار حجرا بوجهٍ لا يلين، وأغربُ الغريبِ أنَّ زوجتَه تلك اليانعة، التي كانت في حديقتِها تُربي الياسمين؛ صارت تذوي كشجيرةٍ مسَّها اليباس، وتلوِّحُ بيدٍ عجفاء تباهيا ببعلِها الحجريّ الجديد .. شمسنا أيضا .. ذاتَ يومٍ شمسُنا أعتمتْ ..دقّقتُ فوقنا، وأنا أصيحُ: شمسُنا رحى حجرٍ معلّقة ...! صرتُ أتحسسُ لينَ جسدي .. أتسمّعُ حَرَّ أنفاسي؛ ثمَّ أعدو .. صرتُ أعدو بلا شاغل لي؛ إلا السعيّ بين الأصنام ... أصنام رجالٍ، وأصنام نساء، وأصنام صغار، صرتُ أنا المهرولَ في مدينتِنا؛ الباحثَ عن بقايا متحركة، كائنٍ قد يتحركُ؛ لأصيحَ: أنتَ حيٌّ يا صديق، وفي عينيكَ لم تزل يقظة؟

تنزيل.jpg
البوابة 24