زيارة بايدن بين الاستراتيجي الإسرائيلي وبين المعيشي الفلسطيني

بقلم أ. د. خالد محمد صافي

أعلنت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول أن البيان المشترك لزيارة الرئيس الأمريكي بايدن للمنطقة سيسمى "إعلان القدس" وستلتزم فيه واشنطن بأمن "إسرائيل" وسيتعهد بعدم السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية والسماح ل"إسرائيل" بالدفاع عن نفسها، وسيؤكد على تعزيز التطبيع، وتوسيع نطاق الدول المنخرطة في اتفاقيات السلام. أي أن القيادة الصهيونية تستثمر هذه الزيارة في دعم خطط استراتيجية إسرائيلية فيما يتعلق بأمنها القومي، وتعزيز قوتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية في المنطقة، والعمل على تأسيس حلف عسكري شرق أوسطي بقيادة الكيان الصهيوني في مواجهة إيران ومنع امتلاكها لسلاح نووي، والحد من توسع قوتها الإقليمية فيما يعرف بمحور المقاومة. أي أن الجانب الإسرائيلي والأمريكي  قد نجح في الحشد المذهبي بتزعم إسرائيل حلف السنة المكون من الدول العربية السنية في مواجهة المحور الشيعي الذي تتزعمه إيران واذرعها في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن. وبذلك تقسم إسرائيل والولايات المتحدة العالم العربي على اساس مذهبي. فلم تعد إسرائيل هي العدو الأول للعرب، بل من خلال اتفاقيات إبراهيم التطبيعية أصبحت إيران هي العدو، وانتقلت إسرائيل إلى خانة الصديق بل الحليف، بل قائدة الحلف المواجه لقوة إيران في المنطقة وذلك برعاية ومباركة وتتويج من إدارة بايدن استكمالا لسياسة ترامب. 
   حيث تواجه إسرائيل ايران بحشد عربي سني، سيكون هو وقود اي حرب قادمة مع ايران، كما سيكون الممول الرئيس للحرب فيما تكتفي إسرائيل بمشاركة سلاحها الجوي وتكنولوجيتها العسكرية والأمنية المتقدمة. 
   أما ما ينتظر الجانب الفلسطيني من هذه الزيارة فلن تكون أكثر من زيارة علاقات عامة وبيع كلام وأوهام فقط مثل الإعلان عن التزام الولايات المتحدة بحل الدولتين، وهو إعلان علاقات عامة لن يترجم إلى فعل. فحتى أن الإدارة الأمريكية لم تفتح قنصليتها في شرق القدس كبادرة حسن نية تجاه الزيارة، رغم وعوداتها بهذا الشأن ومماطلتها في التنفيذ. ولم تعد فتح مكتب التمثيل الفلسطيني لديها، فقط سيكسب الجانب الفلسطيني أمور حياتية معيشية تتعلق بحالات لم شمل من الجانب الاسرائيلي،  ودعم مالي لمستشفيات القدس الفلسطينية وهذا يشكل جوانب إنسانية ومعايشة واقع، أو زيادة تصاريح عمال غزة الداخلين للكيان الغاصب بألف وخمسمائة تصريح، وكما قلنا كلها جوانب حياتية إنسانية معيشية تدخل في باب العلاقات العامة، ولا تشكل خطوات استراتيجية نحو المشروع الوطني الفلسطيني. وكأن لسان حال الزيارة يقول مزيدا من القوة السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية الاسرائيلية في المقابل تحسين طفيف في الظروف المعيشية الإنسانية للفلسطينيين. وهذا يعني أنه بات ينظر للفلسطينين على أنهم سكان ينبغي تحسين ظروفهم وليس شعب له قضية سياسية، شعب يناضل من أجل دولة وحرية واستقلال وسيادة. 
   وقد ارتضت قيادة السلطة بهذه الغنيمة من الزيارة لأنها تلهث وراء أي إنجاز حتى لو كان معيشي إنساني في ظل الضعف والانقسام الفلسطيني، بحيث أصبحت سلطتنا سلطة علاقات عامة بدلا أن تكون سلطة مشروع وطني فلسطيني، وأصبحت سلطة تحسين ظروف حياتية معيشية للسكان، بدل أن تكون سلطة وطنية مناضلة في سبيل تحرير وطن واستقلاله وسيادته. وبالتالي قبلت أن تكون سلطة حكم ذاتي هزيل، وسلطة وظيفية تابعة للإدارة المدنية الصهيونية، سلطة لا تزيد مهامها عن أي بلدية تتابع خدمات السكان اليومية والمعيشية. وهنا الفرق الكبير بين الاستثمار الصهيوني الاستراتيجي للزيارة وبين الرضى بفتات تحسين الواقع المعيشي تحسينا طفيفا قد لا يستمر لبضعه شهور ثم تعود الانتكاسات مرة أخرى.
    ولذلك نعتقد أنه لابد من إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني  من خلال إصلاح وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية كرافعة حقيقية للمشروع والنضال الوطني، والفصل بينها وبين السلطة، بحيث تشكل السلطة أداة إدارية ذات حكومة تكنوقراطية تدير الواقع المعيشي اليومي الفلسطيني فيما تشكل المنظمة أداة النضال الوطني بكل الوسائل الشرعية التي كفلها القانون الدولي من أجل الحرية والاستقلال والسيادة. فبقاء هذا التداخل الهيكلي بين السلطة والمنظمة، وتغول السلطة على المنظمة مؤسسات وقيادة وهيكلية وقرار أفقد الشعب الفلسطيني مشروعه الوطني وقضيته السياسية وأدخله في متاهات الظروف الحياتية والواقع المعيشي، وتاه بين الاستراتيجي والتكتيكي، وبين الإنجاز الحقيقي النضالي، وبين مظاهر العلاقات العامة.

البوابة 24