"شامبو مفقود وصابون غائب".. الغزيّون في حرب مع الأوساخ

صورة توضيحية
صورة توضيحية

غزة/ البوابة 24 - رشا كحيل

لم يعد نقص الغذاء وحده هاجس الغزيين بعد مرور ما يقارب العامين على الحرب والحصار، بل طالت الأزمة تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، إذ تشهد الأسواق شحًا غير مسبوق في مواد النظافة الأساسية مثل الشامبو، الصابون، وسائل الجلي، ما حوّل الحفاظ على أبسط مقومات النظافة الشخصية إلى معاناة يومية.

حنان، سيدة تسكن في مدينة غزة، تروي لـ"البوابة 24"تجربتها:وتصف يومياتها بأنها "معركة صامتة"ضد انعدام مواد النظافة الأساسية. تقول حنان أنها واجهت وعائلتها صعوبة كبيرة في تدبير شؤونهم بعد اختفاء الشامبو والصابون من الأسواق، فاضطروا للبحث عن أي بدائل متاحة. في البداية استخدموا معجون الأسنان أو الحلاقة في غسل الصحون والملابس، لكن حين نفدت، لم يبقَ أمامهم سوى الصابونة العادية التي استعملوها حتى للشعر رغم أنها ألحقت به ضررًا وجعلته جافًا وخشنًا، ولكن حتى سعر الصابون أصبح غير محتمل وفي النهاية اكتفوا بالماء وحده.

وتضيف أن الأزمة لم تقتصر على النظافة الشخصية، بل طالت حياتهم اليومية بأكملها فتقول: "كنا نلجأ إلى رمل البحر لتنظيف الأواني، وفي كثير من الأحيان لم يتوفر أمامنا سوى الماء فقط. هذا انعكس على صحتنا، إذ انتشرت الحبوب والالتهابات الجلدية والحكة الشديدة، وافتقدنا العلاج بسبب خلو العيادات من الأدوية. حتى الأطفال عانوا من انتشار الحشرات في الشعر، ولم نجد وسيلة للتغلب عليها سوى التنظيف اليدوي المتكرر".

أما شهد صبحي، التي تقطن في الزوايدة وسط قطاع غزة ، تحاول غسل ملابس أطفالها بالماء الساخن ومعجون الأسنان. تقول لـ"البوابة 24":"الغسيل لم يعد يلمع كما كان، ويداي تتآكلان من التعب. الصابون معدوم، وما يتوفر في الأسواق شحيح، رديء وغالي جدًا."

أما في الأسواق، تبدو الصورة قاتمة. فالتجار يؤكدون أن مواد التنظيف شبه مفقودة، وإن توفرت تكون بأسعار لا يقوى عليها أحد.أبو محمد، بائع في سوق الصحابة، يقول للبوابة24: "أسعار المنظفات فلكية"سائل الجلي الذي لا يحتوي على رغوة وصل ثمنه 35 شيكل، بينما الصابونة العادية وصل سعرها 50 شيكل للقطعة الصغيرة من أصل 3 شيكل قبل الحرب، بينما تتراوح أسعار الشامبو من 130إلى 200شيكل للعبوة الصغيرة, "الناس ما معها ثمن الخبز، فكيف تشتري شامبو؟"

ويحذر أخصائي الجلدية الدكتور إبراهيم حبوب من تفاقم الأوضاع الصحية المرتبطة بالجلد في قطاع غزة، قائلاً إن أبرز المشاكل التي انتشرت مؤخرًا بسبب تراجع النظافة وقلة توفر الصابون وشح المياه للاستحمام هي الالتهابات البكتيرية الحادة، خصوصًا بين الأطفال. فأي لدغة حشرة أو جرح بسيط يتحول سريعًا إلى التهاب واسع ينتشر في الجسم والوجه "بصورة مرعبة"، على حد وصفه. ويزداد الأمر سوءًا بسبب طبيعة الحياة داخل الخيام، حيث الرطوبة العالية والتلوث الناتج عن الرمال.

ويضيف: "المشكلة الأكبر هي شح الأدوية وقلة المضادات الحيوية والكريمات الجلدية اللازمة للعلاج، ما يجعل السيطرة على الالتهابات أمرًا في غاية الصعوبة".

كما أشار حبوب إلى انتشار القمل والجرب بشكل واسع داخل مراكز الإيواء والمدارس المكتظة بالنازحين، حتى بات طفل واحد قادرًا على نقل العدوى لجميع من حوله، ليتحول المرض من حالة فردية إلى وباء يصعب التعامل معه في ظل الحرب.

ويشدد حبوب على أن قص أظافر الأطفال، وإبعادهم عن اللعب بالرمال، والمسارعة في علاج أي جرح ملتهب من الإجراءات الوقائية الضرورية للحد من تفشي الأمراض. لكنه في الوقت ذاته يقرّ بأن الظروف الراهنة تجعل حتى أبسط وسائل الوقاية، مثل الاستحمام بالماء البارد واستخدام الصابون، أمرًا شبه مستحيل بسبب ندرتها وارتفاع ثمنها.

كما نوّه إلى أن غياب مساحيق الغسيل وسائل الجلي أو الاعتماد على مواد محلية غير مطابقة للمواصفات فاقم بدوره من حالات الحساسية الجلدية (الإكزيما)، خاصة لدى النساء اللواتي يتعاملن مع هذه المواد يوميًا.

من جانبها، تحذر الأخصائية الاجتماعية سمر زروق، من الأبعاد العميقة لهذه الأزمة، مؤكدة أن النظافة جزء أساسي من شخصية الإنسان وكرامته: "حين يعجز الفرد عن الاعتناء بنفسه، يبدأ بفقدان تقبله لذاته ويشعر أنه غير نظيف، وهذا يولد آثارًا نفسية سلبية. على مستوى الأسرة، ينعكس الأمر على العلاقات الزوجية والتوازن داخل البيت."

وتوضح زروق أن الاحتلال يتعمد استخدام منع مواد التنظيف كأحد أشكال الحرب التي تستهدف صحة وكرامة الغزيين، مشيرة إلى أن غياب هذه المواد أدى إلى انتشار أمراض جلدية مثل الحساسية بين الأطفال. وتلفت إلى خطورة الأوضاع داخل مراكز الإيواء، حيث يستخدم نحو مئة شخص مرحاضًا واحدًا، ما يجعل احتمالية تفشي الأمراض كبيرة جدًا.

في الوقت الذي تُقاس فيه إنسانية الشعوب بقدرتها على الحفاظ على أبسط مقومات العيش الكريم، يُحرم الغزيون من الصابون والشامبو وسائل الجلي، ليجدوا أنفسهم محاصرين بالأمراض، وبشعور قاسٍ من فقدان الأمان والنظافة والاحترام الذاتي،إنها معركة حياة لا تقل قسوة عن القصف والدمار، حيث بات الصابون رفاهية، والشامبو حلمًا، والنظافة تحديًا يوميًا. وفي ظل هذا الواقع، تبقى غزة شاهدة على حرب تتجاوز السلاح لتطال الجسد والكرامة معًا.

البوابة 24