بسام صالح
قامت قوات الامن الايطالية يوم 27 ديسبمير الجاري باعتقال سبعة مواطنين يحملون جوازات سفر اردنية، بقرار من النائب العام في مدينة جنوة، وشمل القرار اوامر توقيف احترازي بحق المتهمين بينما قامت قوات الامن بتفيش ومصادرة كل ما وجدته سواء في بيت المتهم الاول او في مركز الجمعية الخيرية لنصرة الشعب الفلسطيني، هواتف وكومبيوترات واموال نقدا تقدر بما يزيد على مليون يورو ، و اتهامهم بتمويل حركة حماس بشكل مباشر او غير مباشر بسبعة ملايين يورو تم جمعها كتبرعات لصالح المنكوبين في قطاع غزة . مع ملاحظة التركيز الاعلامي على ان حماس حركة ارهابية،
انتشر الخبر بشكل مدروس واصبح الخبر الاول في وسائل الاعلام سواء المرئية والمسموعة والمكتوبة، بما اثار قلق الشارع الايطالي وخاصة بين المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، فالاشخاص المتهمين معروفين وليسوا اشخاصا يعملون في السر ولهم مقابلات مع العديد من وسائل الاعلام الايطالية، ويشاركون في كافة المظاهرات والمسيرات الداعمة للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
الحملة إلاعلامية الشرسة استهدفت المنظمات والمؤسسات الفلسطينية المتواجدة في ايطاليا دون تمييز بين الجاليات والتجمعات والجمعيات الخيرية حيث اعتبرت وسائل الاعلام ان رئيس التجمع الفلسطيني والجمعية الخيرية هو رئيس ويمثل كل التواجد الفلسطيني في ايطاليا، عدم الدقة في اخبار الاعلام الايطالي لم يكن عفويا بل اراد خلق انقسام وخلاف بين الفلسطينين المقيمين في ايطاليا، ومن جهة اخرى اظهارهم انهم يدعمون "الارهاب"، ويقومون بالتظاهر دعما لحماس. وهذه مغالطة مقصودة من وسائل الاعلام المرتبطة بالدوائر الحكومية، لضرب الاصدقاء والمتضامنين مع الشعب الفلسطيني.
الحقيقة لا يمكن اخفاؤها صحيفة لاريبوبليكا وهي ليست من الداعمين للقضية الفلسطينية نشرت خبرا جاء فيه " في الأمر الصادر عن المحكمة، والمؤلف من ثلاثمائة صفحة، والذي يُجيز اعتقال تسعة أشخاص بتهمة تمويل إرهابيي حماس، ورد في القضية 98 دليلاً مُشاراً إليه بالأحرف الأولى "آفي". في الواقع، تُخفي هذه الأحرف الثلاثة شخصاً واحداً.
"السيد آفي" هو العميل السري الذي جمع الملف الذي يُشكّل أساساً لتحقيق المدعي العام في جنوة بشأن جمعية ABSPP الخيرية للتضامن مع الشعب الفلسطيني، والتي يرأسها محمد حنون، 63 عاماً، وهو مهندس معماري مسجون منذ 27 ديسمبر/كانون الأول." وتسترسل الصحفية بتقديم معلومات اضافية " وثائق التحقيق تتضمن مذكرة مؤرخة في 1 أبريل/نيسان 2025، تُؤكد فيها مسؤولة الشرطة الإسرائيلية، آية كاموسيفيتش، أنها "تعرف آفي، الذي يجب أن تبقى بياناته الشخصية مجهولة، والذي يشغل منصب رئيس قسم البحث والتقييم في المكتب الوطني الإسرائيلي لمكافحة تمويل الإرهاب". يتبع ذلك وصفٌ للوسائط الحاسوبية المُسلَّمة، والتي تُعدّ نسخةً أصليةً ودقيقةً "للمواد الأصلية من ساحة المعركة... التي تمّت مشاركتها مع السلطات الإيطالية باعتبارها 'معلوماتٍ تلقائية'،" ويُضاف إلى ذلك، "لم تُجرَ أيّة تغييرات باستثناء تنقيح بعض الأجزاء التي قد يُضرّ الكشف عنها بدولة إسرائيل.""
من الواضح أننا لا نستطيع الخوض في تفاصيل التحقيق القضائي، لكن الحقيقة الصارخة تبقى كما هي: خضوع الحكومة الإيطالية التام للعمليات العسكرية لحكومة نتنياهو التي مازالت تمارس كافة اشكال الإبادة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومستمرة في تقطيع اواصل الضفة الغربية و ضم اجزاء كبيرة منها للكيان. بينما يتزايد التعاون الايطالي مع سلطات الكيان الإسرائيلي وضوحًا على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، من خلال شبكة كثيفة من صفقات التجارة والأسلحة، وفي نفس الوقت تستهدف قوات الشرطة الإيطالية نشاطات الشتات الفلسطيني، وتوجه له باستمرار التهمة الجاهزة الإرهاب أو مساعدة الإرهاب.
اما مركز البحث والصياغة من أجل الديمقراطية (CRED)فقد اشار الى "ان البناء الاتهامي يكشف عن عنصر بالغ الخطورة: إذ إن جزءًا كبيرًا من الاتهامات يستند إلى وثائق أنتجها الجيش الإسرائيلي خلال عمليات عسكرية نُفذت في قطاع غزة. وقد جرى اعتماد هذه المواد كأدلة وثائقية دون إخضاعها لأي فحص فعلي يثبت مصداقيتها وقابليتها للتحقق." ويضيف المركز ان " إسرائيل ليست طرفًا محايدًا ولا مجرد «طرف في نزاع». إنها دولة تخضع حاليًا للتدقيق بتهمة الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، وهي مخاطَبة بتدابير مؤقتة ملزِمة. ولا يمكن تجاهل هذه الحقيقة القانونية عندما تنتج قواتها المسلحة مواد إثباتية يُراد لها أن تمس بالحرية الشخصية لمواطنين ومقيمين في إيطاليا. فهذه وثائق أُعدّت في سياق يتعارض جذريًا مع ضمانات المحاكمة العادلة: غياب مبدأ المواجهة، وإنتاجها من قبل جهاز عسكري متورط مباشرة في جرائم قيد التحقيق الدولي. ويؤدي استخدامها إلى انزلاق خطير من التعاون القضائي إلى التلقّي غير النقدي للاستخبارات العسكرية."
واختتم المركز بيانه مثيرا مزيدا من التساؤلات " "ومما يبعث على القلق الشديد تصنيف أنشطة المساعدة الإنسانية على أنها «تمويل للإرهاب»، استنادًا إلى إدراج المنظمات المستفيدة في قوائم أعدّتها حكومة أجنبية. وبهذه الطريقة، يحلّ الوسم السياسي محل التحقق القضائي: فإذا صنّف الجيش الإسرائيلي شخصًا ما على أنه «قريب لإرهابي»، يُعتمد هذا الوصف كأساس لقيام الجريمة من قبل قاضٍ إيطالي، دون أي تحقق مستقل. وفي هذا السياق، يبدو أن الدعوى الجنائية تنحرف نحو إعادة قراءة موحّدة لأكثر من عشرين عامًا من النشاط، في محاولة لإضفاء طابع جنائي على وقائع سبق أن كانت محل قرارات حفظ. كما أن استخدام ما يُسمّى «عناصر جديدة» مقدَّمة من الجيش الإسرائيلي بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 يخلق نوعًا من «مناخ طوارئ تفسيرية» ينسف مبادئ الشرعية واليقين القانوني، ويعمل بأثر رجعي على أفعال نشأت بوصفها تضامنًا مشروعًا.""
هذا هو نطاق الهجوم الذي تشنه الحكومة وقوى الأغلبية الحاكمة ضد جميع قوى وحركات المعارضة التي حشدت صفوفها في الأشهر الأخيرة ضد حرب الابادة التي يمارسها الكيان وحكومة بنيامين نتنياهو. باختصار، يكمن الخطر في أن يتوسع هذا التحقيق ليتجاوز بكثير الحقائق المحددة، ويُستخدم لتبرئة ضمائر اليمين الإيطالي الذي التزم الصمت لسنوات طويلة حيال جرائم الحرب والابادة المرتكبة في غزة والضفة الغربية، بينما يُجرّم في الوقت نفسه المعارضة جميعها.وبالتحديد ضد حركة التضامن الشعبي التي لم تكن فقط انسانية بل سياسية بامتياز تدعم حقوق الشعب الفلسطيني وعلى راسها حقه في تقرير المصير والعودة، وطالبت بمحاسبة الحكومة والاحزاب المشاركة فيها على مشاركتها وتواطئها مع الكيان المعتدي على الشعب الفلسطيني.
ومن حقنا أن نتساءل ونسأل وزير الداخلية بيانتدوسي لماذا تتهرب وتتجنب بحرص التحقيق مع المواطنين الإيطاليين الذين يحملون جوازات سفر مزدوجة إيطالية واسرائيلية ، والذين يُزعم أنهم شاركوا كجنود في الإبادة الجماعية للفلسطينيين، رغم الأستجوابات البرلمانية، والتي لم تحصل على اي اجابات.
وهل لنا أن نسأل لماذا لم يُعر الوزير أو رئيسة الوزراء أي اهتمام لاحتفالات الاستجمام بعد حرب الإبادة التي أقامها الجنود الإسرائيليون في إيطاليا، والتي تناولتها وسائل الإعلام في مناسبات عديدة، حتى مع توفير الحماية الأمنية لهم.؟
الحقيقة الأكثر وضوحا أن الحكومة الإيطالية تعتبر الإبادة الجماعية للفلسطينيين هي حق إسرائيلي في الدفاع عن النفس، بينما تُوصَف مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال بالإرهاب وهذا ما رفضته جملة وتفصيلا حركة التضامن .
بطبيعة الحال، تُخفي هذه العمليات الشرطية عن نية مبيتة تهدف إسكات وقمع حركة التضامن مع فلسطين، التي أظهرت في الأشهر الأخيرة دعمًا واسعًا في جميع أنحاء البلاد.
بعد ان خفتت الأضواء الإعلامية عن الإبادة الجماعية المستمرة، تُضخّم أنباء الاعتقالات بشكل كبير، مما يوحي بأن ملايين الإيطاليين الذين خرجوا إلى الشوارع قد تم التلاعب بهم من قِبل الإرهاب هذا من جهة ومن الجهة الاخرى يعتبر هذا مقدمة لتمرير قانون مساواة العداء للصهيونية بمعاداة السامية، وذلك ضمن مفهوم امني سياسي لقمع اي صوت او راي معارض لسياسة الحكومة الحالية.
أن الإرهاب الحقيقي الذي نقع جميعًا ضحاياه هو إرهاب الكيان الاستيطاني وحلفائه، المتواطئين في مذبحة الشعب الفلسطيني، والذين يحشدون الآن في حملة إعادة تسليح شاملة لاوروبا بتعليمات من سيد البيت الاشقر.
تُشير اعتقالات اليوم إلى تواطؤ حكومة ميلوني اليمينية ذات الاصول الفاشية مع حكومة نتنياهو النازية: هل سيأتي اليوم الذي يعتقل فيه كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة ليوناردو بتهمة بيع الأسلحة لإسرائيل؟ أو هل سيتم توقيف واعتقال النتن ياهو او اي من وزرائه المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة جرائم حرب ضد الإنسانية والإبادة الجماعية؟
ملاحظة 1. من حق أي فلسطيني أن ينتمي لأي حزب أو تنظيم سياسي يختاره بحريه.
ملاحظة2. المتهم يبقى بريء إلى أن تثبت إدانته
ملاحظة3. حركة التضامن مع فلسطين لم تكن ابدا لصالح تنظيم أو فصيل معين بل كانت دوما مع حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره دون أي تدخل خارجي.
ملاحظة4. من يعتقد أن اعتقالات ايطاليا اليوم هي انتصار لتنظيمه عليه أن يستوعب قصة اؤكلت يوم اوكل الثور الابيض. والشاطر يفهم.
