من برلين 1945 إلى غزة 2026: هل يُعاد رسم «الخطوط الصفراء»؟

بقلم: د. نهاد رفيق السكني

تمهيد ضروري للقارئ قد يكون من الإنصاف أن نبدأ باعتراف غير مريح: كاتب هذه السطور ليس خبيرًا عسكريًا، ولا جنرالًا، ولا صاحب خرائط ميدانية. هو رجل يعيش تحت ضغط علاجات بيولوجية وكيماوية معقدة، بذاكرة مثقلة، ونوم متقطّع، وكوابيس تتكرر أكثر مما ينبغي. الخوف حاضر، والأحلام مشوشة، والتوقعات دائمًا تميل إلى الأسوأ. قد يبدو هذا ضربًا من الهلوسة. وقد يكون كذلك. لكن هذا “الهلوس” لا يأتي من فراغ. فالكاتب، رغم كونه مدنيا، عمل طويلًا في التخطيط الاستراتيجي الصحي: يعرف كيف تُدار الأزمات، كيف يُعاد توزيع البشر تحت عناوين إنسانية، كيف تتحول الحلول المؤقتة إلى واقع دائم، وكيف تُبنى “المناطق الوظيفية” حين يصبح الإنسان رقمًا في جدول. من هذا الموقع، لا تُقرأ غزة بعين عسكرية، بل بعين من يعرف كيف تُدار الكوارث ببطء. لذلك، قد يبدو ما يلي تخيلًا مظلمًا لمستقبل غزة في 2026… وقد يكون، للأسف، الوصف الأقرب لما يحضر على الأرض. فبعد وقف إطلاق النار في مايو 1945، لم تخرج ألمانيا من الحرب دولةً مهزومة فقط، بل خرجت دولة قابلة لإعادة التشكيل. خلال سنوات قليلة، تحولت من كيان واحد إلى شرق وغرب، ثم إلى دولتين مختلفتين في النظام والهوية والمصير. هذا التحول لم يكن صدفة، بل نتيجة هندسة سياسية وأمنية فرضتها القوى المنتصرة، وحوّلت الجغرافيا إلى أداة حكم. ألمانيا: من دولة واحدة إلى عالمين بعد الهزيمة النازية، تشكّل واقع جديد: غرب ألمانيا اتجه نحو الديمقراطية والرأسمالية ليكون سدًا أمام الشيوعية، بينما خضع الشرق للنفوذ السوفيتي ونظام اشتراكي صارم. عام 1949، أصبح الانقسام رسميًا بظهور ألمانيتين: جمهورية ألمانيا الاتحادية في الغرب، وجمهورية ألمانيا الديمقراطية في الشرق. ومع اتساع الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، بُني جدار برلين عام 1961 ليمنع البشر من الهروب، وليصبح رمزًا لانقسام الدولة والإنسان معًا. غزة: شرق وغرب… سيناريو قيد التشكل اليوم، عند النظر إلى غزة، تفرض المقارنة نفسها. ليس لأن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، بل لأن منطق التقسيم ذاته يعود بأدوات مختلفة. الاحتلال أقام خطوطًا إسمنتية صفراء تفصل شرق غزة عن غربها، وهي ليست خطوطًا تاريخية، بل حدودًا ميدانية جديدة. ومع الحديث عن انسحابات جزئية، تبرز احتمالية أن تشرف قوات الأمم المتحدة الدولية لحفظ السلام على مناطق شرق غزة في مرحلة لاحقة، خاصة ضمن المرحلة الثانية من أي مسار سياسي أو إعادة إعمار. الأدلة الحديثة التصريحات الأميركية، وعلى رأسها حديث ترامب عن إعادة إعمار غزة تدريجيًا بعد وقف إطلاق النار ضمن إطار دولي، تتقاطع مع صمت إسرائيلي رسمي حول بدء الإعمار في الشرق. هذا الغموض لا ينفي الاحتمال، بل يعززه: إعمار انتقائي، مناطق منفصلة، واقع جديد يُفرض بهدوء. الحق الطبيعي للسكان حتى لو بدأ الإعمار في شرق غزة أو في المناطق التي لا تسيطر عليها حماس، لا يمكن لأي جهة – إسرائيل أو غيرها – منع المواطنين من العودة إلى أراضيهم وبيوتهم. فالعودة إلى المنزل حق إنساني طبيعي، ولا يستطيع أحد منعه فعليًا مهما تغيرت الخرائط أو المسميات. ما وراء «المناطق الخضراء»: إعادة رسم غزة بالقوة غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التقسيم الجغرافي، بل في ما يُحضَّر خلف الخط الأصفر. الحديث المتزايد عن إقامة «مناطق خضراء» ونقل السكان إليها ليس مبادرة إنسانية، بل خطة لإعادة توزيع السكان والسيطرة على الأرض. أولًا، هذا السيناريو يعني فصلًا جغرافيًا فعليًا بين دير البلح وبقية جنوب القطاع، وتحويل دير البلح إلى خط تماس جديد. ثانيًا، يفتح الباب أمام احتلال وتطهير كامل لجنوب غزة بعد دير البلح، بحيث تصبح المناطق غير المحتلة كليًا محصورة في الشريط الممتد من دير البلح حتى شمال مدينة غزة (الشيخ رضوان)، مع بقاء شرق غزة تحت الاحتلال، وشمال القطاع إما مدمرًا بالكامل أو خاضعًا للسيطرة العسكرية. ثالثًا، يُدفع السكان إلى مغادرة ما تبقى من هذه المناطق، تحت الضغط العسكري والترغيب معًا: مناطق نزوح جديدة، خدمات أساسية محدودة، مبانٍ بدائية تشبه الكرافانات، مع تدقيق أمني صارم في الهويات والممتلكات. رابعًا، بعد الإفراغ، تتحول المنطقة الممتدة من دير البلح حتى شمال غزة إلى ساحة عمليات عسكرية كثيفة جدًا، لا تقتصر على “جمع السلاح”، بل تشمل: - تدمير ما تبقى من العمران - قتل واعتقال من تبقى من المسلحين - قضم تدريجي وفرض سيطرة كاملة والنتيجة المتوقعة: دمار يقارب 100%، واحتلال للأرض بنسبة 100%. استحالة الاتفاق: الجدار الذي نبنيه بأيدينا ما يجعل هذا السيناريو ممكنًا ليس الاحتلال وحده، بل الانقسام الداخلي المتفاقم. لم يعد الأمر خلافًا سياسيًا بين فصائل، بل تحوّل إلى فجوة واضحة بين الناس واحتياجاتهم اليومية، وبين مشروع تقوده حركة حماس بأولويات مختلفة. بينما ينشغل السكان بتأمين الحد الأدنى من الأمان، والسكن، والعلاج، وفرصة لحياة يمكن احتمالها، تستمر القيادة في مسارات لا تعكس حجم الإنهاك الاجتماعي ولا الكلفة الفعلية لاستمرار الصدام. هذه الفجوة، إلى جانب الاحتلال لا بمعزل عنه، تفتح المجال عمليًا أمام مخططات الفصل. فعندما ينفصل القرار عن الواقع المعيشي، تتحول الخطوط الصفراء من إجراء مؤقت إلى أمر واقع مُشرعن، لا لأنه مقبول أو عادل، بل لأن مجتمعًا مستنزفًا لم يعد يملك القدرة على الرفض أو حتى على الاعتراض المنظّم. هل نفيق قبل فوات الأوان؟ قد تبدو المقارنة بجدار برلين مبالغًا فيها: لا جدار إسمنتي كامل، ولا دولتان معلنتان. لكن الوقائع تقول إن غزة تُدفع تدريجيًا نحو شرق وغرب: غرب مكتظ بالسكان، شرق خاضع للسيطرة، جنوب يُفرغ، وشمال مُدمَّر. إذا استمر هذا المسار، وتقاطعت الصراعات الداخلية مع الضغوط الدولية، سنستيقظ يومًا لنجد أن غزة لم تُقسَّم بقرار رسمي، بل فُصلت بالفعل على الأرض… وحينها، لن تنفع أي مراثي متأخرة على وحدة وطنية ضاعت بين السياسة والسلاح.

البوابة 24