اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا

بقلم: عائد زقوت

لم تَعُد الحرب مُجرّد آلة قتل، بل تحوّلت إلى اقتصاد بؤس متكامل، يُنتج النُّدرة، ويُسوِّق الألم، ويُعيد تدوير المأساة بوصفها موردًا دائمًا. في هذا المشهد المُروّع، برزت طبقة جديدة من الفاعلين يمكن تسميتهم بلا مواربة: أُمراء الإغاثة؛ أولئك الذين يمارسون النّهب المؤسساتي تحت قناع العمل الإنساني، ويحترفون تحويل الدموع إلى رِيع كارثي. هؤلاء ليسوا ضحايا الحرب ولا شهودها، بل مستثمريها. ليسوا مساعدين، بل سماسرة معاناة، يبنون نفوذهم على أنقاض المدن، ويديرون صناعة الحاجة قبل أنْ تُلبّي التبرعات الحاجات الأساسية وتصل إلى مستحقّيها. يُتقنون قرصنة التعاطف العالمي، ويُحوّلون صرخات الضحايا إلى أرقام في تقارير التمويل العاطفي، حيث تُقاس المأساة بقابليتها للجذب لا بعمقها الإنساني. الفارق بينهم وبين اللّص التقليدي ليس في الجوهر، بل في الجرأة والوقاحة. ذاك يسرق خائفًا ملتفتًا في الظلام، أمّا هؤلاء فينهبون جهارًا تحت الأضواء، بأختام رسمية وشعارات براقة: إغاثة، تمكين، استجابة طارئة. يأكلون باسم خطاب الفضيلة، ويسرقون بلغة الشفافية الزائفة، ويتحرّكون ضمن ما يُمكن تسميته دبلوماسية الشاحنات التي تتحكّم برغيف الخبز ومصير الجياع. إنّها رأسمالية كارثية بوجه إنساني، تُنتج فسادًا أبيضًا لا يُلطِّخ الأيدي، بل يُدمّر الضمير. في اقتصاد المأساة، تتحوّل الكارثة إلى سُوق، والضحايا إلى سلعة في حملات تضامن مسروقة. يُدار الجوع بمنطق إدارة العَوز، ويُختزل الإنسان إلى رقم في بيانات كارثية تُباع وتُشترى، بينما تتحوّل الفضيلة نفسها إلى بضاعة في سوق نخاسة أخلاقية فارغة، يتدفّق فيه المال، لكنّ الجوع باقٍ، والتقارير تتكاثر، لكن الكرامة تتآكل. الأخطر أنّ هذه المنظومة لا تسرق الخبز فقط، بل تسرق المعنى ذاته. إنّها اغتيال كرامة مُنظّم، وقتل أمل بطيء يتمّ تحت أنظار العالم. تُمارِس ما يُمكن تسميته الاستدامة السلبية للأزمة، لأنّ مصلحتها في استمرار المأساة لا في حلّها. فالحرب، بالنسبة لها، ليست طارئًا إنسانيًا، بل بيئة عمل واستثمار. وفي السياق الفلسطيني تحديدًا، لا يُمكن فصل اقتصاد الإغاثة عن بُنية الحصار والعدوان المستمر، حيث تُدار المعاناة لا بوصفها مأساة طارئة، بل كواقع قابل للإدارة والاستثمار. ما يجري هنا ليس خللًا إداريًا ولا سوء تقدير، بل شكل جديد من الاستعمار الإنساني، وجريمة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان. منظومة تعيش على الألم، وتُعيد إنتاجه، ثم تطالب بالحصانة؛ تارة باسم المبادرة والريادة، وتارة باسم الوطنية، وأخرى باسم الرحمة. تبرير هذه الجريمة أو تمريرها أو الصمت عنها ليس حيادًا، بل تواطؤ وانزياح عميق عن جوهر الفضيلة. والتغاضي عنها ليس حكمة، بل مشاركة في فساد "نظيف" يَقْتل ببطء. واجب اللحظة ليس تمجيد الواجهات ولا تقديس الشعارات، بل تفكيك اللاهوت السياسي والحزبي والبيروقراطي الذي يُبرّر النّهب، وفضح تجّار الأمل الزائف، واستعادة الخير من براثن باعة الوهم. في غزة فلسطين، حيث الجوع ليس قدرًا بل أداة، تُصبح المُساءلة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرط نجاة، وآخِر أشكال المقاومة الأخلاقية المُمكنة، وسبيلًا لاستعادة المعنى والكرامة معًا، دون أنْ تتحوّل هي نفسها إلى أداة لمزيد من الحرمان.

البوابة 24