غزة/ البوابة 24- إسلام الأسطل
لم يكن ذلك الصندوق الفولاذي الصغير مجرد مساحة معدنية لحفظ الذهب والأوراق المهمة، بل كان آخر ما تبقّى من الإحساس بالأمان في حياة أناسٍ مزّقت الحرب بيوتهم ودفعتهم إلى المنافي القسرية. في قطاعٍ اعتاد أهله أن يودعوا ما تبقى من حياتهم لدى أكثر الأماكن تحصينًا، بدا بنك فلسطين، بالنسبة لكثيرين، الملاذ الأخير الذي لا يُسأل عن أمانه.
لم تتخيل الشقيقتان مرفت المزين وابتسام عايش، حين أودعتا مصوغاتهما الذهبية داخل صندوق أمانات في أحد فروع البنك المذكور في مايو/أيار 2022م، أن يتحول هذا القرار، الذي اتُخذ بدافع الثقة، إلى مأساة مفتوحة بلا إجابة.
لم يخطر ببالهما أن تختفي الأمانات فجأة، وبدون أي مقدمات، في وقت يُفترض فيه أن يكون البنك أكثر الأماكن تحصينًا، لا أكثرها غموضًا.
مع اندلاع الحرب في قطاع غزة، اضطرت الشقيقتان إلى مغادرة القطاع، تاركتين أماناتهما خلفهما، وخلال الهدنة الأولى، لم تتوقفا عن مراسلة البنك، تسألان عن الصندوق، عن مصيره، عن أي تطمين، في حين كانت الإجابات الرسمية، في كل مرة، مطمئنة، ثابتة، لا لبس فيها: الصندوق بأمان.
لكن الحقيقة ظهرت فجأة، وبلا مقدمات، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025م. دخلت شقيقتهما، التي تحمل توكيلًا خاصًا، إلى فرع البنك في غزة، حاملة المفتاح الأصلي للصندوق، وخرجت منه بلا شيء سوى الصدمة.
أُبلغت شفهيًا، من مدير الفرع، أن صندوق الأمانات مفقود، وأن جميع الصناديق سُرقت. لم يُسمح لها بالنزول إلى الخزائن، لم تُعرض عليها أي وثيقة، ولا تقرير، ولا حتى محضر رسمي يثبت ما قيل. مجرد رواية شفهية، بلا دليل، وبلا مسار قانوني واضح.
لم تكن الصدمة حالة فردية. عميلات أخريات في البنك واجهن المصير ذاته. من بينهن آثار مسلم، التي كانت خارج غزة حين بدأت الحرب. منذ أيامها الأولى، حاولت اتخاذ أي إجراء يضمن سلامة صندوقها، لكن البنك رفض تسليمه. وخلال الهدنة، وصلتها رسائل موثقة تؤكد أن الصندوق بأمان حتى الأول من ديسمبر. ثم، فجأة، تغيّر كل شيء. رسالة أخرى، باردة ومقتضبة، تخبرها أن الصندوق تعرض للسرقة، دون أي تفاصيل إضافية، ودون أي تفسير لما تغيّر بين تطمين وآخر.
لم يكن صندوق آثار مسلم يحتوي على مقتنيات ثمينة فحسب، بل على أوراق رسمية مصيرية لا تملك عنها أي نسخ، وفق قولها. أوراق لا يمكن تعويضها، ولا تُقدّر قيمتها بالذهب، لكنها، كما الصندوق نفسه، اختفت بلا أثر.
التجربة ذاتها عاشتها الصحفية زينب عودة، التي أودعت صندوق أمانة في بنك فلسطين –فرع الجلاء– عام 2021م، باعتباره المكان الأكثر حفظًا وأمنًا للمقتنيات والمستندات، وفق ما يعلنه البنك نفسه عبر أنظمته وصفحاته الرسمية. تقول عودة: "يتعهد البنك بحفظ الأمانات من الحريق والسرقة والفقد، وهو ما جعلني أضع أماناتي بكل ثقة فيه. البنك مطالب بإعادة الصندوق باعتباره المسؤول عن الحفاظ عليه وتأمينه".
تحتفظ عودة بكمية من الذهب الموروث عن والدتها، له قيمته المادية والمعنوية والتاريخية، فضلًا عن أوراق ومستندات رسمية مهمة. أشياء لا تُختزل بخسارة مالية، بل بفقدان ذاكرة وحقوق ومستقبل.
وعن محاولات الوصول إلى البنك، تقول: "لم يتواصل معنا البنك خلال الإبادة، ولم يبلغنا بأي شيء يخص الصناديق. وبعد انتهاء الحرب، تواصلت مع البنك، وأبلغني حينها أن الصناديق بأمان. وحين طلبت استلامها من خلال فرع البنك في القاهرة، أخبروني أن الصناديق غير جاهزة للتسليم حاليًا. ثم فوجئنا، في نوفمبر الفائت، وبعد أن فوضت شقيقتي لمراجعة البنك، بأن الصندوق من الصناديق المفقودة".
تبدي عودة استهجانها أن الصناديق المفقودة جميعها في فرع لم يتعرض للقصف، ولم يشهد قوة قاهرة فعلية -على حد تعبيرها- "كما أن البنك رفض إطلاع العملاء على الصناديق أو موقعها، لمعرفة ما إذا كانت مقصوفة أو مكسورة". وتضيف تساؤلًا لا يزال بلا إجابة: "نظام فتح الصناديق يعتمد على المفتاح المزدوج، نسخة مع البنك وأخرى مع العميل، ولا يُفتح الصندوق إلا بإدخال المفتاحين معًا. فكيف سُرقت الصناديق؟".
ويزيد من حيرة المتضررين أن فروعًا أخرى لبنك فلسطين تعرّضت لقصف فعلي، ورغم ذلك تمكن أصحاب الصناديق فيها من استلام أماناتهم. أما هذا الفرع، الذي لم يشهد اقتحامًا أو تدميرًا مباشرًا، فقد اختفت منه ثمانية صناديق دفعة واحدة.
واكتفى البنك، وفق إفادات المتضررين، برسائل اعتذار عامة، تُرجع ما حدث إلى ظروف الحرب القاهرة، دون إرفاق تقارير أمنية، أو محاضر شرطة، أو تسجيلات كاميرات، أو نتائج تحقيق داخلي، كما أفادت أربع من المتضررات اللواتي تحدثت معهن "نوى".
ويطالب المتضررون/ات سلطة النقد الفلسطينية بفتح تحقيق مستقل وشفاف، وإلزام البنك بتقديم أدلة مادية واضحة على واقعة السرقة، وتحديد المسؤوليات القانونية، وضمان حماية حقوق المودعين، وعدم الاكتفاء بتبرير عام تحت مسمى ظروف الحرب.
من جانبه، يرى المحامي أحمد المصري أن العلاقة بين أي بنك والعميل تقوم على أساس تعاقدي واضح تحكمه أحكام القانون المدني، مع وجود فرق جوهري بين نظام الودائع المصرفية ونظام صناديق الأمانات، وهو فرق ينعكس مباشرة على حجم المسؤولية القانونية الواقعة على البنك.
ويوضح أن العميل في حالة الودائع يتمتع بحماية قانونية أعلى، أما في حالة الأمانات، فصحيح أن البنك لا يعلم محتواها، لكن ذلك لا يعفيه من المسؤولية، بل يحددها: "مسؤولية المحتوى على العميل، ومسؤولية الحفظ والسلامة على البنك، باعتباره حارسًا للأمانة، وهي مسؤولية لا يمكن إسقاطها باتفاق أو شرط تعاقدي".
ويشير المصري إلى أن الإشكالية تكمن في محاولة البنك التملص من هذه المسؤولية عبر عقود نمطية، متذرعًا بظروف الحرب كقوة قاهرة. فالقوة القاهرة، قانونًا، لا تُقاس بوقوع الحرب ذاته، بل بكيفية التعامل معها، ومدى اتخاذ إجراءات استثنائية تحافظ على الأمانات بعناية الرجل المعتاد، بل وبعناية أشد في الظروف الاستثنائية.
ويضيف: "في الحالة المعروضة، يقول البنك إن الأمانات تعرضت للسرقة نتيجة الحرب، إلا أن الوقائع لا تسند هذا الادعاء. لم يثبت وجود قصف أو اعتداء على الفرع، ولم تُسجل سرقات مثبتة، ولم يقدم البنك سببًا موثقًا لما حدث. هذا الغموض، مقرونٌ برفض السماح للمتضررين بمعاينة صناديقهم، يشكل قرينة قانونية خطيرة قد ترقى إلى شبهة تبديد متعمد للأمانات".
ويوضح أن القانون المدني الفلسطيني، إلى جانب مجلة الأحكام العدلية، يحمّل حارس الشيء مسؤولية هلاكه أو ضياعه ما لم يثبت خلاف ذلك، وأن عقد الوديعة يفرض التزامًا ببذل عناية الرجل المعتاد، مردفًا: "إن عدم اتخاذ البنك لإجراءات حماية خاصة خلال الحرب يُعد تقصيرًا جسيمًا يُنشئ مسؤولية مدنية واضحة، قد تمتد إلى مسؤولية جزائية في ظل وجود شبهة تبديد أو إهمال جسيم".
ويؤكد أن الفصل في القضية يعود للقضاء الفلسطيني، لكن ذلك لا يعفي الجهات الرقابية من دورها. فسلطة النقد مطالبة بتحقيق مستقل، والنيابة العامة مطالبة بالتحقيق في ملابسات ضياع الأمانات، حماية للحقوق الخاصة والمصلحة العامة، معقبًا: "لا يجوز للبنك الاحتماء بالقوة القاهرة لإخلاء مسؤوليته، المساءلة واجبة، والتحقيق ضرورة".
مدير الإعلام في بنك فلسطين، ربيع دويكات، بدوره، أشار في تصريحات صحفية إلى حجم الدمار والخسائر التي مُنِي بها البنك خلال الحرب، مؤكدًا تفهم الإدارة لمخاوف العملاء بعد فقدان عدد من الصناديق في بعض الفروع.
وأشار إلى أن ما حدث خارج عن إرادة البنك نتيجة القصف المباشر، مؤكدًا أن البنك حصر الأضرار ويتواصل مع الجهات المختصة، "وسيتم التواصل مع كل عميل حال توفر أي معلومات جديدة، مع التأكيد على احترام حقوق العملاء والحرص على الشفافية" يضيف.
