لا تربّوا أبناءكم وبناتكم على الوهم

بقلم: أ‌. سامي قرّه

علّموا أولادكم وبناتكم بصدقٍ تام، ولا تفتحوا للكذب بابًا في حديثكم معهم؛ لا تحشوا عقولهم بخرافاتٍ فارغة، ولا تُفسدوا صفاء تفكيرهم بتكديس الأوهام. لا تصوّروا لهم السماء ملجأً يُعفي الأرض من آلامها، ولا توهموهم أن كلَّ شيءٍ هنا على ما يرام؛ فالعقل الذي ينشأ على الوهم ينكسر عند أول مواجهة مع الحقيقة. علّموهم أن الزمن الحاضر قيدٌ تحيط به أسوار الشقاء، وأن الدنيا لا تهب سعادةً مجانية، بل تمنح دروسًا قاسية في البقاء. قولوا لهم إن المعاناة ضريبةُ الحياة، ومفتاحُ كل بناءٍ وعطاء؛ فمن لم يذق مرارة التجربة، لن يعرف طعم الانتصار ولا البهاء. فالمعاناة نهرٌ مرُّ المذاق، لكنه يسقي زهرةَ النفس البيضاء. أخبروهم أن المصاعب جمّة، وأن الماضي قد ولّى وأدبر. دعوهم يكتشفون الحاضر ويعيشون تفاصيله، ولا تُغرقوهم في أعماق التاريخ الغابر؛ فالتاريخ ماءٌ تبخّر وضاع، فاتركوه للأمس القديم. أمّا الحاضر فبحرٌ متلاطم؛ من لا يُحسن السباحة في أمواجه، كان مصيره الهلاك. لا تُفرِطوا في العفو عن أولادكم وبناتكم؛ فالتسامح إن تجاوز حدَّه ضاع أثره. لا تغفروا خطأً يُزهر في المهد؛ فإن سامحتم قبل أن يتعلّموا الدرس، عادوا إليه مرارًا ولو تعهّدوا ألا يفعلوا. وحين يواجهون عواقب أفعالهم في الكِبر، قد لا يغفرون لكم ما غفرتم لهم صغارًا. علّموهم أن الفقر عدوٌّ قاتل لا يستكين، يُقاوَم بالعلم والإقدام. وعلّموهم أن العنف وحشٌ كاسر، لا يُهزَم إلا بسيف المحبة وقبول الآخر. وأفهموهم أن الجهل ظلمةٌ دهماء، تُمحى بشمس المعرفة التي توقظ العقول؛ فالإنسان يحيا بجدِّ الفكر وسعي الذات، لا بالخمول ولا بانتظار رجاء العابرين. علّموا أولادكم وبناتكم أن العمر ومضة، وأن الموت آتٍ لا محالة. أخبروهم أن الوقت هو الذات، وهو أغلى من كنوز الأرض. علّموهم كيف يقطفون أزهار أيامهم قبل أن تذبل في خريف العمر. علّموا أولادكم وبناتكم معنى الحياة بحق، قبل أن تلعنكم أجيالٌ نشأت على الصمت والسبات. ٦-١-٢٠٢٦

البوابة 24