مؤسسات المجتمع المدني بين رسالة العمل العام وواقع الانحراف

**مؤسسات المجتمع المدني بين رسالة العمل العام وواقع الانحراف إصلاح تشريعي ومساءلة قانونية لاستعادة الثقة وحماية الصالح العام**

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تشكل مؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها الجمعيات الخيرية والتعاونية، أحد الأعمدة الأساسية في بناء المجتمعات الحديثة، لما لها من دور تكاملي في تعزيز التكافل الاجتماعي، ودعم الفئات المهمشة، والمساهمة في التنمية المستدامة، وسدّ الثغرات التي تعجز المؤسسات الرسمية عن تغطيتها. غير أن الواقع العملي، وفي ظل ما تشهده الساحة الفلسطينية، يكشف عن أزمة بنيوية حقيقية أصابت قطاعًا غير قليل من هذه المؤسسات، وأخرجته في بعض الحالات عن رسالته الوطنية والإنسانية. لقد تحولت بعض الجمعيات، بفعل غياب الرقابة وضعف المساءلة، من أدوات للعمل العام إلى مراكز نفوذ مغلقة، تُدار بعقلية الملكية الخاصة، وتُستخدم أحيانًا لتحقيق مكاسب شخصية وتكسب غير مشروع، في تعارض صارخ مع جوهر العمل الأهلي ومقاصده.

أولًا: الانحراف عن الغاية القانونية للعمل الأهلي يحدد قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (1) لسنة 2000 الإطار القانوني الناظم لعمل مؤسسات المجتمع المدني، حيث نصت المادة (2) صراحة على أن الجمعيات تُنشأ لتحقيق أهداف غير ربحية ذات طابع اجتماعي أو خيري أو تعاوني. وعليه، فإن أي نشاط يهدف إلى تحقيق منفعة مالية شخصية، أو تحويل الجمعية إلى أداة للإثراء، يُعد خروجًا قانونيًا صريحًا عن الغاية التي أُنشئت من أجلها. كما ألزمت المادة (4) الجمعيات بالالتزام بالشفافية في أعمالها، وهو التزام قانوني وليس خيارًا إداريًا. غير أن الواقع يشير إلى انتشار ممارسات خطيرة، أبرزها حجب المعلومات المالية، وغياب الإفصاح، وتضليل الهيئات العامة والمانحين.

ثانيًا: أزمة الحوكمة واحتكار القرار تنص المادة (13) من القانون ذاته على أن الهيئة الإدارية تتولى إدارة شؤون الجمعية بما يحقق أهدافها. إلا أن غياب الفصل الحقيقي بين الهيئات الإدارية والتنفيذية، واستمرار بعض المجالس لسنوات طويلة دون تداول أو مساءلة، أدى إلى احتكار القرار، وتضارب المصالح، وإفراغ العمل التعاوني من مضمونه الديمقراطي. ويتعزز هذا الخلل مع تجاهل الالتزامات الواردة في المادة (15)، التي توجب مسك سجلات مالية أصولية وتقديم تقارير مالية سنوية مدققة. إن عدم الالتزام بهذه المادة لا يُعد مخالفة إدارية بسيطة، بل مخالفة قانونية جسيمة تمس المال المخصص للصالح العام.

ثالثًا: مسؤولية الجهات الرقابية منح القانون في المادة (16) وزارة الاختصاص حق الرقابة والتفتيش على أعمال الجمعيات. غير أن ضعف تفعيل هذا النص، والاكتفاء برقابة شكلية في كثير من الأحيان، ساهم في تفشي حالات الفوضى والتسيب. إن التقاعس عن ممارسة الرقابة لا يعفي الجهة المختصة من المسؤولية، بل يضعها في موضع المساءلة القانونية والأخلاقية.

رابعًا: الجمعيات وقانون مكافحة الفساد تتضاعف خطورة هذه الممارسات عند النظر إليها في ضوء قانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته. فقد وسّعت المادة (1) من مفهوم الموظف العمومي ليشمل كل من يتولى إدارة أو الإشراف على أموال جهة أهلية تتلقى دعمًا عامًا. وبذلك، فإن رؤساء وأعضاء الهيئات الإدارية في الجمعيات الخيرية التي تتلقى أموالًا عامة أو تبرعات، خاضعون لأحكام قانون مكافحة الفساد. وتُجرّم المادة (9) إساءة استعمال السلطة لتحقيق منفعة شخصية، بينما تعاقب المادة (25) على جرائم الاختلاس وإساءة الائتمان المرتكبة على الأموال العامة أو ما في حكمها، وهي أوصاف قانونية تنطبق على أموال الجمعيات متى كانت مخصصة للصالح العام.

خامسًا: المسؤولية الجزائية لا تقتصر المساءلة على الإطار الإداري، إذ يكرّس قانون العقوبات الفلسطيني رقم (16) لسنة 1960 المسؤولية الجزائية في حال إساءة الائتمان أو تبديد الأموال، وفقًا للمادتين (422) و(423)، ما يعني أن العبث بأموال التبرعات والمنح يُعد جريمة جزائية مكتملة الأركان، لا يجوز التستر عليها تحت أي ذريعة.

سادسًا: البعد الدستوري والسياسي يؤكد القانون الأساسي الفلسطيني المعدل في المادة (9) مبدأ المساواة أمام القانون، بما ينفي أي حصانة غير مشروعة عن الجمعيات أو القائمين عليها، كما تكفل المادة (30) حق التقاضي والمساءلة، ما يرسخ حق المجتمع في محاسبة كل من يسيء استخدام العمل الأهلي. سياسيًا، لا يجوز القبول بتحويل مؤسسات المجتمع المدني إلى غطاء للفشل أو الفساد، أو إلى بدائل مشوهة عن دور الدولة. فالمجتمع المدني شريك في البناء الوطني، لا مظلة للحصانة، ولا أداة لتبييض التجاوزات.

سابعًا: نحو إصلاح استراتيجي شامل أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مقاربة إصلاحية شاملة تقوم على: تعديل قانون الجمعيات الخيرية والتعاونية لتعزيز الحوكمة، ومنع تضارب المصالح، وتحديد مدد زمنية صارمة للمناصب القيادية. تفعيل الرقابة الفعلية وربط استمرار الترخيص والدعم بالالتزام بالشفافية. تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في أعمال الجمعيات، تضم قضاة وخبراء ماليين وقانونيين، وتتمتع بصلاحيات الإحالة المباشرة للقضاء. تطبيق قوانين مكافحة الفساد والعقوبات دون انتقائية، حمايةً للمال العام وصونًا لثقة المجتمع. خاتمة إن حماية مؤسسات المجتمع المدني لا تتحقق بالتغاضي عن الفساد، بل بمواجهته بحزم وشجاعة. فاستمرار حالات الفوضى والاستغلال والتسيّب داخل بعض الجمعيات يشكل تهديدًا مباشرًا للنسيج الاجتماعي، ويقوض مفهوم العدالة، ويفرغ العمل الأهلي من مضمونه الوطني والإنساني. إن الإصلاح اليوم لم يعد ترفًا فكريًا أو مطلبًا نخبويًا، بل ضرورة وطنية وقانونية وأخلاقية، تفرضها مصلحة المجتمع، وحق المتبرعين، وكرامة العمل الخيري، وسيادة القانون.

البوابة 24