من هنا يبدأ الغنى

بقلم: وجدان شتيوي

محبوب الجموع، وضعه الله في مقدّمة زينة الحياة الدّنيا، وبه ارتبطت أطول آية في القرآن الكريم. مشتقّ من مَالَ، ويعني: ما يميل إليه الطّبع ويُمتلك. سُميّ بالمال لأنه يميل القلوب، وقد يُزيل عنها الاستقرار ويحوّلها إليه. فقير من لا يمتلك سواه، غنيّ من يستمتع بما يمتلك منه. لكن هناك من يتساءل بلسان حيرته: أين العدل في هذا التّباين بين الأغنياء والفقراء؟ مفترضًا أنّ كلّ عطاء خير ومنحة، وأنّ كلّ منع ضيق ومحنة؟ والحقيقة أنّ المال ككلّ شيء في هذه الدّنيا له قوانينه التي تسيّر عالمه، وأنّ فقير الأمس قد يصبح غنيّ اليوم، وغنيّ اليوم قد يصبح فقير الغد، فكلّ يسبح في فلكه، وما الله بظالم عباده، لكنّ الفقر الحقيقيّ يكمن في العقل. فمن يريد دخول عالم الغنى، أو الخروج من دائرة الفقر على الأقلّ عليه أن يستعدّ لذلك. والخطوة الأولى: ألّا يعتاد الفقر، ويبرمج عقله على أنّ هذا قدره وواقعه، بل يقنع نفسه أنّ هذا حال مؤقّت، قابل للتّغيير، وهو المسؤول الأوّل عن بدء هذا التّغيير. عليه أن يعرف أنّ المال ينجذب لمن يقدّره، ويسعد به، ويرى أنّه زينة الحياة لا قبحها. وأن يدرك أنّ الرّزاق هو الله، فيلجأ إليه وحده بدلًا من النّاس، ويصلح علاقته معه. إن أُغلق باب للرّزق فهناك أبواب جمّة يملك كثيرًا من مفاتيحها، بشرط الحذر من أن يتراكم عليها الصّدأ لقلّة الاستعمال. فالاستغفار باب، والصّلاة على النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام والتّسبيح أبواب أخرى. قال تعالى : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ". وصلة الأرحام أيضًا باب كبير كما قال رسول الله عليه الصّلاة والسّلام: "من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه". والرّزق يحبّ الهبوط على القلوب القنوعة النّقيّة من الغلّ والحسد، ويجد فيها أرضه الخصبة. والشّكر يربي الرّزق بأنواعه. كما قال جلّ جلاله: "ولئن شكرتم لأزيدنّكم". وفي السّعي في البُكور -أوقات توزيع الأرزاق والبركات- زرع لبذور الرّزق والغنى. فكم أتعجّب ممّن يشكو الفقر وليله نهار ونهاره ليل. نعم لقد وزّع الله الأرزاق، لكنّه لن يترك عبدًا لجأ إليه، وأخذ بالأسباب يتجرّع الفقر صباح مساء، فلا ابتلاء دائم. وللتّجارة مع الله بالصّدقة سحر في تنمية المال مهما كانت قيمتها أو نوعها، فالصّدقة قد تكون بعون معنويّ، أو وقت تقدّمه لمحتاج. ويشترط في الصّدقة أن تخلو من الرّياء، وأن تكون من أفضل ما يملك الإنسان، وليس ممّا يودّ التّخلّص منه. قال تعالى: "لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون". والبرّ أعلى درجات الإحسان. والمال يحبّ البقاء مع من ينمّونه ويحسنون إدارته، فبعض الفقراء لو أعطيتهم ملء الأرض مالا لعادوا كما كانوا بعد وقت وجيز؛ لأنّ كثيرًا منهم يميلون للاستهلاك، ويصدّون فكرهم عن المبادرة والإنتاج. يعيشون بمبدأ: "أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب". واقعين بذلك في خانة المبذّرين دون أدنى حساب أو تخطيط للغد. كما قال أجدادنا في أمثالهم: "خبّئ قرشك الأبيض ليومك الأسود". وبنفس الوقت يهرب المال ممّن يظلّ خائفًا من فقدانه، ويكون همّه الشّاغل، فالحكمة في الوسطيّة، بلا إفراط ولا تفريط. ومن أسباب محق الرّزق، وقلّة بركته التّعامل بالرّبا والرّشوة، وأكل حقوق النّاس، وعدم إخراج الزّكاة، أو إخراجها بما يلائم هوى النّفس. ويهرب الرّزق أيضًا ممّن يقصّر بالصّلاة، ويكثر الشّكوى، ويرتكب المعاصي والكبائر، واليمين الكاذبة. وفي الآية التّالية الوصفة الذّهبيّة للرّزق والخروج من كلّ ضيق: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً". فالسّر في التّقوى، وفي هذه الآية تأكيد على ذلك: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ". ختامًا...منّا السّعي وعلى الله التّدبير، وغنيّ النّفس لا يفقر أبدًا، وتغيير الحال يبدأ بتقليم الأفكار. ويبقى المهمّ في أيّ رحلة ألّا نفقد إنسانيّتنا وأخلاقنا فهذا الكنز الذي ليس يفنى.

البوابة 24