سيناريوهات القادم.. في ايران

بقلم د. اماني القرم
دائمًا الحدث الإيراني يستقطب اهتمام وقلق الكبار في شرق وغرب العالم .. لأن ايران ليست فنزويلا فهي لا تقع في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة حيث التحرك "مسافة السكّة" كما يقولون، وإنما تقع في قلب أهم إقليمين نفطيين في العالم هما إقليم الشرق الأوسط ذو الرمال المتحركة ومضيق هرمز مفتاح الاقتصاد العالمي، وإقليم وسط آسيا حيث بحر قزوين الذي يمتلك احتياطات عالمية هائلة في النفط حسب وزارة الطاقة الامريكية ويحتل المرتبة الرابعة بعد روسيا وإيران وقطر بحجم احتياطه من الغاز الطبيعي.  كما أن ايران امبراطورية سابقة ودولة عقائدية ذات مشروع توسعي، صحيح تم تحجيمه حاليا بسبب المتغيرات السياسية الجديدة لكن هذا لا يمنع أن النمط السلوكي التاريخي الايراني يميل للتوسع  واقتناص الفرص والبحث عن مكامن الضعف في الدول المجاورة لملء الفراغ بمجرد حدوثه. فضلا على ان الحدث الايراني يرتبط دوماً بعلاقة ثلاثية جدليه أطرافها امريكا واسرائيل وايران. ولهذا تزدحم كبريات الصحف العالمية والقنوات الفضائية بتحليلات حول مآلات الوضع الايراني بعد التهديدات الأمريكية المتلاحقة. ولعل الأبرز مما قرأت مقال بعنوان " لا خيارات جيدة لترامب في ايران"  للمراسل السابق لمجلة تايم الأمريكية  "بوبي جوش" ومحلّلها الجيواستراتيجي الحالي يتحدث فيه عن ثلاث سيناريوهات عسكرية لا يمكن للولايات المتحدة إلا أن تتحرك في محيطها :
الاول: ضربة رمزية وسمّاها "ضربات دعائية" عبارة عن سيناريو مكرر ليلة واحدة من الضربات لمنشأة بحرية أو مركز للحرس الثوري يسمح للجميع بالمضي قدما من أجل الضرورات السياسية، حيث يعود كل شيء بعدها كما كان. هذه الضربات الدعائية لا تحقّق شيئا ولا تحطّم خامنئي ولا تمنع النظام من اعتقال المتظاهرين، بل بالعكس تترك رسالة للشعب عنوانها: أنتم وحدكم !  وتسمح للنظام بتعزيز روايته بأن المظاهرات مؤامرة.
السيناريو الثاني: اغتيال خامنئي وهو ما يعتقد جوش أنه سيخلّف صراعًا محمومًا على السلطة يحوز فيه الحرس الثوري الإيراني على الأفضلية لأنّه الأقوى والأكثر تنظيمًا وتماسكًا. والناتج ولادة نظام اكثر وحشية في الداخل، ومن الراجح جدا أن السلطة الإيرانية القادمة ستقوم بعقد صفقة مع أمريكا بشأن كل شيء الملف النووي والحد من المغامرات والمؤامرات الإقليمية وتركز على أحكام السيطرة على الداخل .
أما السيناريو الثالث فهو حملة عسكرية مستمرة،  ليست دعائية وإنّما فعلية. ضرب مراكز القيادة ومستودعات الأسلحة وقطع الاتصالات بين مراكز القوى لإعطاء المتظاهرين الفرصة للضغط . والمفارقة هناـــ بحسب جوش ـــــ أنه كلما نجحت الخطة كلما زاد خطر الفوضى. والناتج في النهاية  دولة شبيهة باليمن او ليبيا تشهد انقسامات عرقية وطائفية في ظل غياب معارضة منظمة لملء الفراغ .
لا اختلف مع جوش في إمكانية تحقيق واحد من  السيناريوهات السابقة، لكن التدخل لنصرة المتظاهرين مسألة فيها شك كبير. فالأزمة الداخلية الحالية في ايران ليس الاولى من نوعها، كما أن رد الفعل الأمريكي من أجل دعم المتظاهرين  ليس جديدا فكل الخيارات دائما مطروحة على طاولة البيت الأبيض منذ عهد ريجان وحتى اليوم لكن هل حدث ذلك فعلا؟ هل يمكن تحقيق الحرية للشعب الايراني بضربات جوية من السماء؟.
المفارقة في العلاقة الامريكية الايرانية الجدلية أن المفاوضات السرية بين الطرفين تبدأ في اللحظات التي ينتظر عندها العالم إشارة الحرب.. ودعونا لا ننسى أن الولايات المتحدة قدمت أكبر مساعدة لايران في تاريخها عندما أسقطت ألد أعدائها خصومة وتهديداً : نظام صدام حسين في العراق، ومهّدت لها الطريق  لملء الفراغ في العراق، ومنه للتمدد في بلاد الشام حتى اليمن.

 

البوابة 24