عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران

عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران (سيناريو استشرافي عن السيادة، الحرب، والهيمنة غير المرئية)

بقلم: د. نهاد رفيق السكني

أنا إنسان يراقب العالم من سماء التكنولوجيا والأقمار الصناعية، يتألم لكل قطرة دم تسيل في أي مكان على هذه الأرض. ليست هذه الكلمات ترفًا فكريًا، بل محاولة للتنفيس عن عجزنا الجماعي أمام عذابات الشعوب، ودعوة صادقة لأن يسبق السلامُ الحقيقيُّ الانهيارَ الشامل، في غزة، وفي كل بقعة أنهكها الظلم، قبل أن يبتلع الظلام الجميع. ما يرد في هذا المقال ليس توصيفًا لواقع قائم، بل سيناريو تخيلي استشرافي، مبني على فرضيات تقنية وتحليلية لمسارات محتملة في عالم باتت فيه التكنولوجيا سلاحًا يتجاوز الحدود والجيوش. وأي تقاطع مع أحداث راهنة أو مستقبلية يندرج في إطار الاستشراف التحليلي لا الادعاء أو الجزم. من القلاع الحجرية إلى القلاع غير المرئية كانت أوروبا، لقرون طويلة، ساحة لأعنف الحروب، تزخر بالقلاع والأسوار التي ترمز للقوة والسيادة. وحين انتقلت إلى عصر الدولة الحديثة والرفاه، حوّلت تلك القلاع إلى متاحف، شاهدة على زمن مضى. أما في منطقتنا، فالقلعة لم تختفِ، بل تحوّلت. لم تعد القلعة جدارًا يُرى بالعين، بل بنية غير مرئية، مصنوعة من الألياف الضوئية، والخوادم، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي. لقد انتقلنا من زمن الحصار الفيزيائي إلى زمن السيطرة الشاملة؛ سيطرة تخترق الخصوصيات، والعقول، والبنى التحتية الحيوية، دون أن تطلق رصاصة واحدة. السيطرة الجديدة: البيانات بدل الدبابات في هذا المشهد العالمي الجديد، لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات وحدها. أدركت القوى الكبرى أن التحكم في تدفق البيانات، وفي البنية الرقمية التي تمر عبرها الحياة الحديثة، هو جوهر القوة الحقيقية. ضمن هذه المنظومة، برزت الولايات المتحدة بوصفها القائد البنيوي للنظام الرقمي العالمي، مستندة إلى تفوقها في البنية السحابية، والأقمار الصناعية، والشركات التكنولوجية العملاقة. وفي هذا السياق، تلعب إسرائيل دورًا محوريًا بوصفها عقدة تشغيلية متقدمة: مختبرًا للتجريب، ومركزًا للاختراق، وشريكًا استخباراتيًا عالي الكفاءة، يعمل بتناغم مع المنظومة الأمريكية ومع شركات عابرة للحدود أعادت تعريف مفاهيم السيادة والأمن. هكذا، لم تعد الأسوار تحيط بالمدن، بل تحيط بالأنظمة. السجن الخوارزمي و«الـ Panopticon» الإقليمي الملايين اليوم يعيشون داخل ما يمكن تسميته بـ**«السجن الخوارزمي»**؛ فضاء رقمي تُراقَب فيه الحركة، والكلمة، والاتصال، والاقتصاد، عبر منظومات مراقبة معقدة. لم تعد مفاتيح هذا السجن بيد دولة واحدة، بل موزعة بين دول كبرى، وأجهزة استخباراتية، وشركات تكنولوجية عملاقة، في مقدمتها الولايات المتحدة، مع حضور إسرائيلي متقدم في التشغيل والتنفيذ، خاصة في الشرق الأوسط. لقد تحولت المنطقة إلى ما يشبه Panopticon إقليمي: الجميع تحت النظر، حتى دون أن يعرف من يراقبه، أو متى، أو كيف. وهو نموذج يكسر المفهوم التقليدي للسيادة، ويعيد تعريفه بوصفه قدرة على التحكم في البيانات لا في الحدود. سيناريو افتراضي: «ليلة سقوط طهران» لا يُقدَّم هذا السيناريو بوصفه ضربة واحدة خاطفة أو حدثًا سينمائيًا لحظيًا، بل كنموذج افتراضي لتراكم عمليات رقمية معقدة، تُنفَّذ على مراحل، وتهدف إلى إنهاك الدولة من الداخل قبل أي مواجهة تقليدية. في هذا المستقبل المفترض، لا تستيقظ طهران على ضجيج الطائرات، بل على صمت ثقيل، تخترقه تغريدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: «إيران حرة الآن، والمساعدة في الطريق». لكن «المساعدة» هنا ليست قوافل إغاثة، بل عملية إدارة رقمية شاملة؛ اللحظة التي تتحول فيها العاصمة إلى مدينة تُدار عن بُعد، عبر القلاع الرقمية غير المرئية. التفوق غير المرئي: كيف يُشلّ النظام دون قتال مباشر تظهر في السماء مروحيات شبحية من طراز افتراضي (Invisible-X)، مغطاة بجلود إلكترونية تقلل من بصمتها الرادارية والبصرية. وجودها ليس جوهر العملية، بل رمزها فقط. الضربة الحقيقية كانت قد نُفذت مسبقًا، عبر أدوات تقنية معقدة، من أبرزها: 1. هجمات سلاسل التوريد (Supply Chain Attacks): زرع مكونات خبيثة في العتاد التقني خلال مراحل التصنيع أو الشحن، بحيث تُفَعَّل بوابات خلفية فور تشغيل الأجهزة داخل المؤسسات السيادية. 2. استغلال ثغرات اليوم صفر (Zero-Day): امتلاك مخزون غير معلن من الثغرات في أنظمة تشغيل وبنى خدمية، يسمح بالوصول العميق إلى الخوادم، وبناء شبكات «بوتات» تنفذ أوامر خارجية. 3. اختراق أنظمة التحكم الصناعية (SCADA): ليس فقط تعطيل المنشآت، بل السيطرة عليها وبث قراءات مضللة، ما يؤدي إلى كوارث تقنية «ذاتية» دون هجوم مباشر. 4. كسر العزل (Air-Gap): استخدام تقنيات متقدمة لنقل البيانات عبر موجات الراديو، وذبذبات المراوح، وإشارات أضواء LED، لاختراق أنظمة يُفترض أنها غير متصلة بالإنترنت. ورغم أن هذه الأدوات ليست حكرًا على دولة بعينها، فإن دمجها ضمن عقيدة رقمية–عسكرية واحدة هو ما يمنحها أثرًا تدميريًا واسع النطاق. الانهيار من الداخل في ظل هذا الشلل الرقمي المتصاعد، تتعطل آلة القمع تدريجيًا. تُخترق أنظمة الشرطة، تُشلّ الكاميرات، تُبث أوامر متضاربة، تتوقف شبكات الاتصال، ويبدأ النظام بفقدان القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مزيف. لا يسقط النظام بضربة واحدة، بل يدخل في حالة انهيار وظيفي داخلي، كبيت من ورق، حيث تصبح الدولة عاجزة عن إدارة ذاتها، حتى قبل أن تواجه خصمًا على الأرض. القلعة لم تمت… بل تغيّرت في عصر البلوكشين، والأقمار الصناعية التجارية، والذكاء الاصطناعي، لم تعد القلاع تُقصف، بل تُدار. لم تمت القلاع، بل تحولت إلى شيفرات، وخوادم، وكابلات بحرية، وبنى تحتية رقمية تمر عبرها حياة البشر بأكملها. لقد تحولت التكنولوجيا، التي وُعدت يومًا بأنها أداة للتحرر، إلى واحدة من أخطر وسائل السيطرة الحديثة. والسؤال الأخطر اليوم لم يعد: من يملك السلاح؟ بل: من يملك البنية الرقمية التي يمر عبرها كل شيء؟ وهل يمكن للتكنولوجيا ذاتها، التي بُنيت للمراقبة، أن تُعاد هندستها يومًا لتكون أداة تحرر، لا قيدًا جديدًا باسم التقدم؟

البوابة 24