بقلم أ.د. خالد محمد صافي
دوما تحدثت في مقالاتي ومحاضراتي الجامعية، وحتى ندواتي الأكاديمية والثقافية والمجتمعية أن مواجهة المشروع الصهيوني لن يكون بقدرة الشعب الفلسطيني وحده، بل تكاثف عدة قوى ودوائر عدة وذلك لأن المشروع الصهيوني لم يقم بقدرة اليهود الصهاينة فقط بل بتقاطع أربع دوائر، وأن الدائرة الأولى هي الدائرة الصهيونية كرأس حربة وهذا ما حدث في مؤتمر بال أو بازل في سويسرا سنة 1897م، حيث هدف المؤتمر إلى حشد الطاقات اليهودية وكان من قراراته تنظيم اليهود في العالم حول هدف خلق وطن قومي للشعب اليهودي وفق الأسس الصهيونية التي حولت اليهود من طائفة دينية إلى شعب متأثرة بذلك بما أنتجته الثورة الفرنسية من بروز فكرة الدولة القومية الحديثة في مقابل تراجع فكر الدولة الأمبراطورية متعددة القوميات. ولذلك شكل مؤتمر بازل اولى دوائر صنع الوطن القومي والدولة القومية وفق فكر مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل مؤلف كتاب الدولة اليهودية سنة 1896م. أما الدائرة الثانية فهي الدائرة الأوروبية وعلى رأسها بالطبع بريطانيا، وقد شاهدا وتتتبعنا دور هذه الدائرة فيما حدث من احتلال بريطاني لفلسطين وصدور وعد بلفور والانتداب البريطاني الذي فتح فلسطين الانتدابية للهجرة والاستيطان اليهودي وصولا لقيام دولة اسرائيل. أما الدائرة الثالثة في الولايات المتحدة الأمريكية وما قامت به خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها من دعم قيام دولة اسرائيل سياسيا وعسكريا وماليا وإعلاميا واقتصاديا. أما الدائرة الرابعة في صنع ودعم المشروع الصهيوني فهو الدائرة العالمية التي تتكون من دول عدة في العالم التقت مصالحها مع دولة الكيان الصهيوني فقامت بدعمه، مثل دولة شاه ايران، وتركيا الكمالية ودول عدة في العالم في أوروبا والأمريكتين وحتى اسيا وأفريقيا. ولذلك فإن مواجهة المشروع الصهيوني لابد أن يكون بمواجهته بدوائر أربعة حتى يحدث نوع من الاتزان.
وأول هذه الدوائر كما قلنا الشعب الفلسطيني كرأس حربه. وبالتالي حشد كل الشعب الفلسطيني وطاقاته في المشروع التحرري الفلسطيني. ثم الانتقال بعد ذلك للدائرة العربية باعتبارها دائرة ثانية مستندة على اعتبارات القومية والأمة العربية القائمة على وحدة اللغة والتاريخ والدين والمصير. وأن المشروع الصهيوني وإن كان يستهدف فلسطين بالدرجة الأولى فهو موجهة لتقويض اي حلم عربي بالنهضة والتقدم والوحدة. أما الدائرة الثالثة فهي الدائرة الإسلامية ممثلة بالدول الإسلامية كون فلسطين ذات قيمة وأهمية دينية في الفكر الاسلامي باعتبار المسجد الأقصى اولى القبلتين وثالث الحرمين. وبالتالي مركزية فلسطين في الفكر الاسلامي. أما الدائرة الرابعة فهي الدائرة العالمية الإنسانية وكل ما يؤمن بالعدالة وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها وانهاء الاحتلال والاستعمار. ولكن للاسف وقع الفلسطينيون من خلال قادتهم في نكبات عدة على مستوى اتخاذ القرار والوحدة. فحدث الانقسام في الدائرة الأولى ولم يعد هناك وحدة شعب وقضية ومشروع وطني. وساهم الاحتلال في تعميق الانقسام واستمراره. دون أدراك القيادة الفلسطينية لخطورة هذا الانقسام. فتم الاكتفاء بإدارته. ومن هنا نجح الاحتلال في ضرب الدائرة الأولى. كما نجح في ضرب الدائرة الثانية من خلال اتفاقيات السلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني بدءا من كامب ديفيد مرورا بوادي عربة وانتهاء وليس نهاية بالاتفاقيات الإبراهيمية. كما عمل العدو على ضرب تشابك الدائرة الثالثة بإقامة علاقات مع دول إسلامية وضرب دول إسلامية مناصرة للقضية الفلسطينية مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أيضا تدعم حركات الإسلام السياسي الفلسطيني كورقة سياسية لتعزيز نفوذها الإقليمي. وجاء قيام الولايات المتحدة التي ترعى اسرائيل وتعتبرها رأس حربة أمريكية في العالم العربي بمحاصرة فنزويلا وضرب رأس النظام السياسي واعتقاله خدمة لإسرائيل في ضرب الدائرة الرابعة التي تناصر القضية الفلسطينية. فمن المعروف أن النظام السياسي في فنزويلا يشكل داعم سياسي للقضية الفلسطينية وعدالتها، ومدافع عن الشعب الفلسطيني وما يتعرض له من إبادة جماعية. وربما جاء الموقف الفانزويلي أكثر قوة وصلابة من مواقف عربية وإسلامية. ولذلك فإن ما وجه للنظام الفانزويلي من حصار واعتقال رئيس الدولة بهذه الطريقة المهينة والمعبرة عن عقلية الهيمنة الأمريكية وشريعة الغاب هي ضربة لكل قوة في العالم تقف في وجه الإمبريالية الأمريكية وغطرستها ومصالحها. وهي رسالة لكل دولة تناصر القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وتقف في وجه الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني. وهي رسالة من قبل الولايات المتحدة على أن الولايات المتحدة هي سيدة العالم وأن شرعية اي نظام ليس الشرعية الدولية بل شرعية الولايات المتحدة. وهذا ما سيشكل خطر كبير على الشعب الفلسطيني على اعتبار أن خطة وقف في غزة هي خطة أمريكية لاقت شرعية دولية شكلية ونظرية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأن أي خطوات تنفيذية هي بيد الولايات المتحدة الأمريكية الراعية والداعية للمشروع والكيان الصهيوني. وهي ايضا ضربة لكل دولة في الدوائر الأربعة التي ذكرتها سابقا ولا تناصر المشروع الصهيوني. فالدولة العبرية من أجل الحفاظ على وجودها، ومن أجل استمراريتها تقوم بفكفكة أي عناصر قوة ووحدة في الدوائر الأربعة من أجل الإبقاء على هزيمة المشروع الوطني الفلسطيني وإضعافه وحصاره. وهنا لابد من مراجعات نقدية فلسطينية لكيفية النهوض بالمشروع الوطني وتحقيق الوحدة الوطنية في مواجهة كل مشاريع ضرب المشروع الوطني وصمود الشعب وعدم ابادته وتهجيره. حيث أن نهوض الدائرة الأولى يمكن أن يحدث أثرا في استعادة الدوائر الثلاثة الأخرى.
غزة
9/1/2026
