بقلم موسى الصفدي
لا يمكن مقاربة ما يجري في قطاع غزة بمعزل عن الدور الذي لعبته حركة حماس خلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا في إدارة ملف المفاوضات، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير معلنة. فقد تصرّفت حماس، عمليًا، بوصفها طرفًا تفاوضيًا مستقلًا، لا باعتبارها جزءًا من الحالة الوطنية الفلسطينية، بل كحركة حزبية تسعى إلى تثبيت موقع سياسي لها في مستقبل غزة. انطلقت حماس في هذا المسار من رهانات خاطئة وأوهام سياسية غذّتها إيحاءات غير مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية عبر الوسطاء الإقليميين والدوليين، أوحت لها بإمكانية القبول بها لاعبًا سياسيًا في ترتيبات ما بعد الحرب، إذا ما أبدت “مرونة” تفاوضية أو لعبت دورًا وظيفيًا في إدارة التهدئة. هذه الإيحاءات لم تكن التزامًا حقيقيًا، بل أدوات ضغط واستدراج، استُخدمت لإضعاف الموقف الفلسطيني الموحد وتفريغه من مرجعيته . الأخطر من ذلك أن حماس دخلت هذا المسار وهي تفتقد إلى الحد الأدنى من المعرفة السياسية –القانونية بشروط التفاوض في القضية الفلسطينية، وبالمرجعيات الدولية الناظمة لها. فالقضية الفلسطينية ليست ملفًا أمنيًا أو إنسانيًا يمكن التفاوض عليه بمعزل عن الشرعية والتمثيل، بل قضية تحرر وطني تخضع لقواعد صارمة في التمثيل والتفويض. هذا القصور المعرفي والسياسي أوقع حماس في أخطاء قاتلة، تمثلت في القبول أو التورط في تفاهمات واتفاقات جزئية، فتحت المجال أمام إسرائيل لرفع سقف مطالبها، والانتقال من البحث في التهدئة إلى طرح حلول تتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية، وتسعى صراحة إلى إقصائها عن أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بقطاع غزة. وبذلك، أسهمت حماس، في توفير الذريعة السياسية للمشاريع الدولية التي تتحدث اليوم عن إدارة دولية لغزة، أو لجان انتقالية، أو صيغ حكم منفصلة، وهي مشاريع ما كانت لتجد هذا الزخم لولا تفكك الموقف التفاوضي الفلسطيني وغياب المرجعية الواحدة. والأخطر أن حماس، رغم كل ما تكشّف من نتائج كارثية، لا تزال مُصِرّة على الاستمرار في هذا الدور التفاوضي، بصورة غير معلنة، ومن دون أي تنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية، الجهة الوحيدة المخوّلة وطنيًا وقانونيًا بالتفاوض باسم الشعب الفلسطيني. إن هذا السلوك لا يشكّل فقط تجاوزًا سياسيًا، بل مساسًا مباشرًا بوحدة القرار الوطني، وتهديدًا لمستقبل القضية برمّتها. إن أي مفاوضات تُجرى خارج إطار الشرعية الفلسطينية ليست إنجازًا، بل استدعاء للهزيمة السياسية، وأي رهان على دور أمريكي “منصف” خارج مرجعية منظمة التحرير ليس سوى وهم جديد سيدفع الشعب الفلسطيني ثمنه. من هنا، فإن استعادة زمام المبادرة الوطنية تبدأ بوقف هذا العبث، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها المرجعية الوحيدة، ورفض أي أدوار حزبية أو فصائلية تحاول القفز فوق التاريخ والشرعية والدم الفلسطيني. من 7 تشرين الأول إلى المرحلة الثانية: كيف فاوضت حماس على حساب الشرعية الفلسطينية؟ منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تولّت حركة حماس، بشكل منفرد، إدارة ملف بالغة الخطورة والحساسية: ملف الرهائن ووقف إطلاق النار. وقد جرى ذلك خارج أي تفويض وطني، ومن دون تنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية، في سابقة سياسية خطيرة أعادت تعريف التفاوض من كونه أداة وطنية إلى كونه أداة حزبية مرتبطة بحسابات البقاء والدور. المرحلة الأولى: من الفعل العسكري إلى الوهم السياسي عقب السابع من تشرين الأول، تعاملت حماس مع ملف الرهائن بوصفه ورقة قوة تتيح لها فرض نفسها لاعبًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه. في هذه المرحلة: رفضت الحركة أي إطار تفاوضي وطني جامع أصرت على إدارة التفاوض عبر وسطاء إقليميين ودوليين بعيدًا عن الشرعية الفلسطينية تلقّت إشارات أمريكية غير مباشرة، عبر الوسطاء، أوحت بإمكانية “التعامل معها” إذا أحسنت إدارة الملف هذه الإشارات لم تكن اعترافًا سياسيًا، بل تكتيكًا أمريكيًا هدفه حصر التفاوض في بعده الأمني–الإنساني، وفصل غزة عن القضية الفلسطينية، وهو ما فشلت حماس في إدراكه. المرحلة الثانية: التفاوض الإنساني مقابل التنازلات السياسية الضمنية مع تصاعد العدوان، دخلت حماس في تفاهمات جزئية حول: إطلاق دفعات من الرهائن و إدخال مساعدات إنسانية لكن هذه التفاهمات جرت: من دون ربطها بمرجعية سياسية فلسطينية ومن دون اشتراط أي التزام بإنهاء الاحتلال أو بالشرعية الدولية وبخطاب تفاوضي يركّز على “غزة” لا على فلسطين وهنا بدأت إسرائيل برفع سقف مطالبها، مستفيدة من غياب المرجعية الوطنية، فانتقلت من تفاوض تكتيكي إلى إعادة صياغة المشهد السياسي لغزة. المرحلة الثالثة: تثبيت الفصل السياسي لغزة مع اقتراب الحديث عن ترتيبات “اليوم التالي”، وبدء تداول أفكار الإدارة الدولية أو اللجان الخاصة، كان واضحًا أن: إسرائيل لم تعد ترى نفسها ملزمة بالسلطة الفلسطينية و الولايات المتحدة لم تعد تتحدث عن عودة غزة للشرعية و النقاش الدولي انتقل من “وقف الحرب” إلى “من يحكم غزة”. هذا التحول لم يكن ممكنًا لولا أن حماس: فاوضت بوصفها سلطة أمر واقع و قبلت عمليًا بأن تكون غزة كيانًا تفاوضيًا مستقلًا ولم تشترط عودة السلطة الوطنية أو منظمة التحرير كجزء من أي اتفاق المرحلة الرابعة: المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار… والإقصاء الكامل في ما سُمّي بالمرحلة الثانية من تطبيق وقف إطلاق النار، تبيّن بوضوح حجم الخسارة السياسية: لم تكن منظمة التحرير طرفًا في أي نقاش و لم يُطرح أي دور للسلطة الوطنية في الترتيبات المقبلة و جرى تداول أسماء وشخصيات ولجان بديلة عن التمثيل الوطني وهنا تتجلّى النتيجة الأخطر: إسرائيل تستخدم ما أبرمته حماس من تفاهمات جزئية لتقول للعالم إن الفلسطينيين “لا يملكون مرجعية واحدة”، وإن غزة يمكن إدارتها خارج الإطار الوطني. ورغم كل هذه النتائج، لا تزال حماس: تصرّ على مواصلة دورها التفاوضي بشكل غير معلن و تتعامل مع التفاوض كأداة لتثبيت حضورها السياسي و ترفض الخضوع لمرجعية منظمة التحرير الفلسطينية وهذا السلوك لا يمثّل فقط خطأً سياسيًا، بل خطرًا استراتيجيًا يهدد بتكريس فصل غزة، وتحويلها إلى كيان وظيفي تُدار أزمته بدل ان تحل قضيته. إن ما جرى منذ 7 تشرين الأول يثبت، بالوقائع لا بالشعارات، أن: التفاوض دون شرعية وطنية يقود إلى الإقصاء لا الاعتراف والرهان على الولايات المتحدة خارج إطار منظمة التحرير هو وهم قاتل وأي اتفاق لا تقوده الشرعية الفلسطينية يتحوّل إلى أداة بيد الاحتلال . إن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المخوّلة بالتفاوض باسم الشعب الفلسطيني، وأي تجاوز لها، مهما كانت الذرائع، هو خدمة مباشرة للمشروع الإسرائيلي الساعي إلى تفكيك القضية وتحويلها إلى ملفات منفصلة. غزة دفعت ثمن التفاوض العبثي، وستدفع أكثر إن لم يُستعاد القرار الوطني إلى أصحابه الشرعيين. 18 / 1 / 2026
