بقلم: موسى الصفدي
هل نتحول من "وساطة السلام" إلى "شراكة الاحتلال"؟ إن الدعوات السياسية، وخصوصاً تلك الصادرة عن عواصم القرار الدولي، ليست مجرد تفاصيل بروتوكولية أو حركات علاقات عامة عابرة. لذا، فإن الإعلان عن توجيه دعوة لرئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، للانضمام إلى ما يُسمى «مجلس السلام»، يشكل تحولاً نوعياً في وظيفة هذا المجلس، ويستدعي قراءة سياسية عميقة تقف على جوهر الخطر الذي تمثله هذه الخطوة. أولاً: دلالات الدعوة.. سقوط "وهم الحياد" دعوة نتنياهو لـ «مجلس السلام».. هل بدأت ملامح "صفقة القرن 2 لا يمكن فصل دعوة نتنياهو عن المسار الذي بدأ علنًا في ديسمبر 2017 مع اعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة للاحتلال، مروراً بـ «صفقة القرن» عام 2020. اليوم، يُعاد إنتاج الجوهر ذاته بأدوات جديدة، حيث يحمل انضمام نتنياهو دلالات خطيرة: تغيير هوية المجلس: التحول من صيغة "وسيط دولي لإدارة الصراع" إلى "شريك مباشر للاحتلال" في رسم الحل. هندسة المخرجات: اعتراف صريح بأن إسرائيل ليست طرفاً خاضعاً للقانون الدولي، بل شريك أصيل في تصميم القواعد الدولية الجديدة. ارتهان الأعضاء: وضع بقية أعضاء المجلس أمام خيارين؛ إما التماهي مع القيادة الإسرائيلية الفعلية للمجلس، أو الاكتفاء بأدوار تجميلية لإضفاء شرعية شكلية على مسارات محسومة سلفاً. ثانياً: الصعيد الفلسطيني.. من "التحرر" إلى "الإدارة الأمنية" تكمن الخطورة الأكبر في محاولة إعادة صياغة القضية الفلسطينية؛ فدخول نتنياهو "مجلس السلام" يعني تجريد الفلسطينيين من صفتهم كشعب صاحب حق سياسي، وتحويلهم إلى "كتلة ديموغرافية" أو "سكان" يحتاجون لإدارة لا لحل. هذا المسار يبعث برسائل قاسية مفادها: لا سيادة وطنية، لا حلاً سياسياً جذرياً، وتهميش متعمد لمنظمة التحرير الفلسطينية لصالح لجان "تكنوقراط" ومقاربات إغاثية تفصل الإنسان عن قضيته الوطنية. ثالثاً: غزة في عقلية ترامب.. الاستثمار على أنقاض الهوية يتجاوز ما يجري في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر منطق الرد العسكري؛ إذ ينسجم مع رؤية ترامب التي تختزل السياسة في "منطق الصفقة". ففي هذه العقلية: (الأرض = فرصة استثمارية، والسكان = عقبة). غزة كمنتجع متوسطي: الحديث عن تحويل غزة إلى شريط استثماري ومرافئ ليس خيالاً، بل طرح ينسجم مع رؤية تجرد الأرض من هويتها النضالية. التهجير الصامت: السيناريو المرجح ليس التهجير القسري الجماعي الفوري، بل خلق بيئة "طاردة للحياة" عبر تدمير البنية التحتية وفتح "مخارج إنسانية" تدريجية؛ وهو تهجير بطيء يُغلف بخطاب إنساني مضلل. رابعاً: استمرارية المجلس ومعضلة الضغط الدولي إن محاولة إضفاء غطاء من "مجلس الأمن" على هذا الكيان تهدف لضمان استمراريته القانونية بما يتجاوز الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن بقاء هذا المسار مرهون بثلاثة عوامل: ميزان القوى الدولي، كلفة المشروع سياسياً على الإدارات الأمريكية، ومدى الرفض الفلسطيني الميداني. أما غياب الضغط الدولي، فيعود لتفكك النظام العالمي، وتكريس صورة إسرائيل كدولة فوق المساءلة، وتعاطي العالم مع مأساة غزة كأزمة إنسانية مزمنة لا كجريمة سياسية كبرى. إن دعوة نتنياهو لـ «مجلس السلام» هي إعلان صريح عن مرحلة "الشرعنة الدولية للاحتلال" وإحلال "الاستثمار" محل "السيادة". لكن التجربة التاريخية تؤكد أن كل مشروع يتجاوز إرادة الشعوب ويُبنى على القسر يحمل في أحشائه بذور فشله. دمشق / 20 / 1 / 2026
