اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة: ما المطلوب بعد إعلان تشكيلها؟

بقلم: سامح الجدي

أُعلن رسميًا عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة في لحظة بالغة الحساسية، يتقاطع فيها الانهيار الإنساني مع الفراغ الإداري، وتتعقد فيها المشهدية السياسية بفعل الحرب والحصار وتداعيات الانقسام الممتد. وبانتقال اللجنة من حيّز الطرح إلى حيّز الواقع، لم يعد السؤال: هل نحتاج لجنة؟ بل أصبح: هل تستطيع هذه اللجنة إنقاذ قطاع غزة؟ وتحت أي شروط؟

أولًا: اختبار الشرعية والقبول الوطني

إعلان تشكيل اللجنة يضعها مباشرة أمام اختبار القبول الوطني. فنجاحها مرهون بقدرتها على طمأنة الشارع الفلسطيني بأنها ليست كيانًا بديلاً عن النظام السياسي، ولا مدخلًا لإعادة إنتاج الانقسام، بل أداة مؤقتة لإدارة أزمة مركبة. غياب التوافق الوطني الواسع حولها سيجعلها عرضة للتشكيك، مهما حسنت نوايا القائمين عليها.

ثانيًا: من الإعلان إلى الفعل

التحدي الحقيقي لا يكمن في تشكيل اللجنة، بل في قدرتها على الانتقال السريع من الإعلان إلى الإنجاز. قطاع غزة لا يحتمل لجانًا شكلية أو بيروقراطية؛ المطلوب قرارات عملية عاجلة تعالج:
فوضى الإغاثة وتعدد مرجعياتها.
تدهور الخدمات الصحية والبلدية.
غياب التنسيق المركزي مع المؤسسات الدولية.
أي تأخير أو ارتباك إداري سيُفقد اللجنة رصيدها الشعبي في وقت قياسي.

ثالثًا: طبيعة اللجنة .. دارة لا سياسة

رغم أن السياق سياسي بامتياز، إلا أن المطلوب من اللجنة أن تلتزم بوظيفتها الإدارية والخدماتية، لا أن تتحول إلى منصة سياسية أو ساحة صراع نفوذ. فالتجارب الفلسطينية السابقة أثبتت أن تسييس اللجان الانتقالية يقود غالبًا إلى فشلها أو تحويلها إلى عبء إضافي على الناس.

رابعًا: وضوح الصلاحيات وحدود الدور

أحد أخطر التحديات أمام اللجنة هو غموض الصلاحيات. إن لم تُحدَّد مهامها بوضوح، زمنيًا ووظيفيًا، فإنها قد تنزلق إلى تضخم الدور أو التداخل مع مؤسسات قائمة، ما يفتح الباب لصدامات داخلية أو ازدواجية في القرار. المطلوب لجنة بصلاحيات محددة، ومدة زمنية واضحة، مرتبطة بمرحلة انتقالية فقط.

خامسًا: الملف الإنساني كأولوية مطلقة

بعد إعلان تشكيلها، تُقاس جدية اللجنة بمدى تقديم الملف الإنساني على أي اعتبار آخر. المواطن في غزة لا يعنيه شكل اللجنة بقدر ما يعنيه:
وصول المساعدات بعدالة وشفافية.
إعادة تشغيل المستشفيات والمرافق الحيوية.
الحد من الفوضى والانفلات المجتمعي.
أي إخفاق في هذا الملف سيُسقط مبررات وجود اللجنة أخلاقيًا وشعبيًا.

سادسًا: خطر التوظيف السياسي الخارجي

تعمل اللجنة في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تُطرح أفكار لإدارة غزة بمعزل عن الضفة الغربية. من هنا، فإن أخطر ما قد تواجهه اللجنة هو تحويلها – بقصد أو دون قصد – إلى أداة في مشاريع سياسية خارجية تمس وحدة الأرض والقضية. تحصين اللجنة وطنيًا ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية.

إن إعلان تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة يفتح نافذة أمل محدودة، لكنه في الوقت ذاته يضع القائمين عليها أمام مسؤولية تاريخية. فإما أن تنجح في إدارة مرحلة إنقاذ مؤقتة تُمهّد لوحدة وطنية حقيقية، أو تتحول إلى حل إداري هش يُضاف إلى سجل الأزمات الفلسطينية. الكرة اليوم في ملعب اللجنة: إما أن تكون جزءًا من الحل .. أو عنوانًا جديدًا للأزمة.

البوابة 24