الولادة في غزة: القيصريات الإجبارية وأثر الحرب على الأمهات والأطفال

صورة توضيحية
صورة توضيحية

غزة/ البوابة 24 - رشا أحمد

في غزة، لم تعد الولادة لحظة انتظار للحياة بقدر ما أصبحت اختبارًا قاسيًا للصمود. فوسط القصف المستمر، وسوء التغذية، وانهيار المنظومة الصحية، تجد آلاف النساء الحوامل أنفسهن مجبرات على خوض تجربة الولادة في ظروف استثنائية، حيث تحوّلت الولادة القيصرية من خيار طبي إلى ضرورة قسرية، تفرضها الحرب بكل ثقلها على أجساد الأمهات وأطفالهن.

أجساد منهكة وحمل مثقل بالخوف

في ردهة أحد مستشفيات جنوب قطاع غزة، جلست مريم الحداد (28 عامًا) تراقب النساء من حولها بوجه شاحب وعينين مرهقتين. في شهرها التاسع، وبعد أربع تجارب نزوح قسري، لم تعد مريم تشعر بأنها قادرة على تحمّل الولادة الطبيعية.

تقول بصوت يختلط فيه الخوف بالإرهاق: “لم أكن أعاني من أي أمراض قبل الحرب، اليوم أعاني فقر دم شديد ودوخة مستمرة. الطبيب أخبرني أن القيصرية قد تكون الخيار الوحيد، لأن جسدي لم يعد يحتمل”.

تقيم مريم مع أسرتها في خيمة بمواصي خان يونس، وتعاني نقص الغذاء والمياه النظيفة، وتخشى أن تلد طفلها في ظروف لا تضمن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

الحرب تغيّر مسار الولادة

تشير مصادر طبية إلى أن معدلات الولادة القيصرية في قطاع غزة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال فترة الحرب، نتيجة تدهور الوضع الصحي للحوامل، وسوء التغذية، والضغط النفسي الشديد، إلى جانب تعذّر المتابعة الطبية المنتظمة.

وبحسب معطيات صحية، يُقدّر عدد النساء الحوامل في قطاع غزة بنحو 55 ألف امرأة، ثلثهن يواجهن حالات حمل عالية الخطورة، فيما يولد يوميًا قرابة 130 طفلًا، 27% منهم عبر الولادة القيصرية. كما أن نحو 20% من المواليد الجدد يولدون قبل الأوان أو بوزن أقل من الطبيعي، ويحتاجون إلى رعاية طبية خاصة تتناقص إمكانياتها يومًا بعد يوم.

“جسدي لم يعد يحتمل”

سلمى أبو طه (32 عامًا)، أم لثلاثة أطفال، خضعت مؤخرًا لعملية قيصرية طارئة، وتصف تجربتها بأنها “الأقسى في حياتها”.

تقول: “خلال الحمل خسرت أكثر من 14 كيلوغرامًا من وزني، كنت أتناول وجبة واحدة بالكاد. عندما بدأت آلام المخاض، لم أستطع الاستمرار، شعرت أن جسدي ينهار، فقرر الأطباء إجراء قيصرية عاجلة”.

وتضيف: “بعد العملية لم أجد مسكنات كافية للألم، وبقيت أعاني أيامًا طويلة، بينما كان طفلي ضعيفًا ويحتاج إلى حضانة غير متوفرة”.

الطفل ضحية أخرى للحرب

لم تتوقف آثار الولادة القيصرية عند الأمهات، بل امتدت إلى المواليد الجدد.

هبة (25 عامًا)، أنجبت طفلها قيصريًا قبل موعده بشهر، تقول: “طفلي وُلد بوزن منخفض، ودخل الحضانة فورًا. لم أستطع إرضاعه طبيعيًا بسبب سوء تغذيتي، وأصيب لاحقًا بمشاكل في التنفس”.

ويؤكد أطباء أطفال أن عددًا متزايدًا من المواليد القيصريين يحتاجون إلى رعاية طبية متقدمة، في ظل نقص حاد في الحضّانات، وانقطاع الكهرباء، وشح الوقود والمستلزمات الطبية.

سوء التغذية الخطر الخفي

تؤكد تقارير صحية أن نحو 90% من النساء الحوامل والمرضعات في قطاع غزة يعانين من سوء تغذية حاد، نتيجة إغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات الغذائية والطبية.

كما أدى الحصار إلى نقص كبير في مستلزمات الولادة، بما في ذلك مواد التخدير، والمضادات الحيوية، والخيوط الجراحية، والسوائل الوريدية، إضافة إلى شح وحدات الدم اللازمة للولادات المعقدة.

الأطباء: القيصرية تُفرض فرضًا

تقول طبيبة النساء والتوليد في مستشفى العودة بمدينة النصيرات وسط قطاع غزة، إسلام أحمد:

“في الظروف الطبيعية نفضّل الولادة الطبيعية، لكن الحرب فرضت واقعًا مختلفًا. معظم الحوامل يعانين فقر دم وسوء تغذية وإرهاقًا نفسيًا شديدًا، وهذا يقلل قدرتهن على تحمّل المخاض، فنضطر للقيصرية حفاظًا على حياة الأم والجنين”.

وتضيف أن الخوف والقلق المستمرين، خاصة لدى النساء النازحات، يسهمان في تعقيد الولادة وزيادة احتمالات التدخل الجراحي.

ولادة على حافة البقاء

في غزة، لم تعد الولادة حدثًا طبيعيًا، بل تجربة محفوفة بالمخاطر. تدخل النساء غرف العمليات وهن لا يعرفن إن كنّ سيخرجن سالمات، ولا إن كان مواليدهن سيحصلون على فرصة حقيقية للحياة.

وسط الحرب والجوع، تتحول الولادة القيصرية إلى خيار قسري، وتبقى النساء الحوامل في غزة عالقات بين ألم الجسد وقسوة الواقع، في معركة يومية من أجل إنقاذ حياة جديدة في عالم يضيق بهن وبأطفالهن.

البوابة 24