بقلم حلمي الغول
عجز النظام الدولي يفتح الباب لبدائل جديدة في ظل تصاعد النزاعات المسلحة واتساع رقعة الكوارث الإنسانية، بات واضحًا أن النظام الدولي التقليدي لم يعد قادرًا على مواكبة حجم التحديات الراهنة فمجلس الأمن، الذي يُفترض أن يكون الحارس الأول للسلم العالمي، كثيرًا ما يتعثر بفعل الخلافات السياسية واستخدام حق النقض، ما يؤدي إلى تعطيل القرارات المصيرية، خاصة في القضايا الحساسة مثل القضية الفلسطينية والحروب المتكررة على قطاع غزة. هذا الواقع خلق فراغًا سياسيًا وإنسانيًا، دفع المجتمع الدولي إلى البحث عن أطر بديلة أو موازية، من بينها بروز مجلس السلام كمبادرة تسعى إلى ملء جزء من هذا الفراغ. من إعادة إعمار غزة إلى فضاء النزاعات الدولية انطلق مجلس السلام في بدايته كآلية للإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة، وضمان وصول الدعم الدولي إلى مستحقيه، وتنظيم جهود الإغاثة والتنمية بعد الحروب المتتالية غير أن توسّع مهامه لاحقًا، وإدراج بند المساهمة في حل النزاعات العالمية ضمن ميثاقه، نقله من إطار محلي – إنساني إلى فضاء سياسي – دولي أوسع، الأمر الذي أثار تساؤلات حول طبيعته ووظيفته وحدود تأثيره في النظام العالمي. هذا التحول يعكس إدراكًا دوليًا بأن معالجة آثار الحروب وحدها لم تعد كافية، وأن الانتقال نحو الوقاية من النزاعات وصناعة السلام أصبح ضرورة استراتيجية وليس خيارًا ثانويًا. هل يشكّل مجلس السلام بديلاً فعليًا لمجلس الأمن؟ رغم اتساع دور مجلس السلام، إلا أنه لا يمتلك الصلاحيات القانونية أو السياسية التي يتمتع بها مجلس الأمن فالأخير يملك أدوات الإلزام الدولي، من قرارات ملزمة وعقوبات وتدخلات عسكرية، بينما يقتصر دور مجلس السلام على التنسيق، والوساطة، والدعم الإنساني والتنموي. وبناءً عليه، فإن الحديث عن "بديل" لمجلس الأمن يبدو غير واقعي من الناحية العملية. إلا أن المجلس الجديد قد يشكّل قوة ناعمة مكمّلة تسهم في تحريك الملفات الراكدة، وتخفيف حدة الأزمات، بعيدًا عن الاستقطابات السياسية الحادة التي تُقيّد القرار الدولي. غزة في قلب الاختبار الحقيقي للمجلس تُعدّ غزة الميدان الأبرز لاختبار جدوى مجلس السلام فنجاحه لا يُقاس بالتصريحات، بل بقدرته على تحويل الوعود إلى مشاريع إعادة إعمار حقيقية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز صمود السكان في مواجهة الأزمات المتكررة. كما يمكن للمجلس أن يلعب دورًا محوريًا في تنسيق جهود المانحين، وضمان الشفافية، وربط الإعمار بمسارات الاستقرار طويل الأمد، بدل الاكتفاء بمعالجة آثار الدمار المؤقتة التي تعود مع كل جولة تصعيد. الشرق الأوسط الحاجة إلى مقاربة جديدة لصناعة الاستقرار تعاني منطقة الشرق الأوسط من أزمات مزمنة تتجاوز حدود الصراع العسكري إلى أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية معقّدة وفي ظل فشل الحلول التقليدية، يبرز دور مجلس السلام كمنصة محتملة لتعزيز الحوار الإقليمي، ودعم مبادرات التسوية، وبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة. ورغم محدودية أدواته، إلا أن امتلاكه لمرونة الحركة وقدرته على العمل خارج الحسابات الأمنية الضيقة يمنحه فرصة للتأثير الإيجابي، إذا ما توفرت الإرادة الدولية الجادة. بين الواقعية السياسية وطموح صناعة السلام الرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال مجلس الأمن بمؤسسة جديدة، بل في إعادة تعريف مفهوم إدارة النزاعات، والانتقال من سياسة احتواء الأزمات إلى سياسة منعها وبناء السلام المستدام فمجلس السلام قد يشكّل حجر أساس في هذا التحول، إذا نجح في تحويل العمل الإنساني إلى مدخل حقيقي للاستقرار السياسي والاجتماعي. السلام ليس قرارًا… بل مسار طويل في المحصلة، لا يمثل مجلس السلام انقلابًا على النظام الدولي القائم، لكنه يعكس تحولًا تدريجيًا في التفكير العالمي نحو أدوات أكثر مرونة وإنسانية في إدارة الصراعات. وتبقى غزة والشرق الأوسط ساحة الاختبار الأهم لمدى قدرة هذا المجلس على الانتقال من النوايا إلى النتائج، ومن الخطاب إلى الفعل. فالسلام الحقيقي لا تصنعه القرارات وحدها، بل تصنعه العدالة، والتنمية، والاستقرار، واحترام كرامة الإنسان وإذا استطاع مجلس السلام أن يترجم هذه القيم إلى سياسات عملية، فقد يصبح لاعبًا مؤثرًا في رسم ملامح مرحلة جديدة تتجاوز منطق الحرب المؤقتة إلى أفق السلام الدائم.
