عودٌ على بدء.. أيادٍ نسائية تبني في معركة البقاء

غزة/ ميرفت عوف

دمرّت حرب الإبادة الإسرائيلية المصانعَ والأسواقَ والمؤسسات، ولم تسلم منها أيضًا مئاتُ المشاريع العائلية، لكن مع توقف الحرب قررت نساءٌ من غزة النهوض باقتصادٍ موازٍ، أكثر مرونة وعناداً، لا يقوم على الإسمنت والآلات، بل على أيادي النساء وقدور الطهي المنزلية.

من رماد البيوت المدمرة، وفي زوايا الخيام الضيقة، عاد مشروع "بنت البلد" و"مفتول البدرساوي" وغيرها من المشاريع العائلية لتنسج خيوط الحياة من جديد. هذه ليست مجرد قصصٍ عن طهي الطعام، بل هي حكاية جبهةٍ اقتصادية تقودها سيداتُ أعمال كنّ يوماً صاحبات مصانع مرخصة، وطالباتٍ جامعيات كانت لهن خِطط مهنية، ليجدن أنفسهن اليوم في معركة بقاء واحدة: إطعام عائلاتهن، وخلق فرص عمل، والمنافسة بقدور الطهي البدائية أمام "سوق الإغاثة" الضخم وشركاته الكبرى.

مطبخ بنت البلد

قبل الحرب بيومين، كانت نعمة القبط (أم وسام) تقف بفخر ٍفي مطبخها الجديد "بنت البلد" شمال غزة، الذي أسّسته بدعمٍ من الأمم المتحدة، وكان يستعد لإنتاج طلبيةٍ ضخمة تبلغ أربعة أطنان.

يوم السبت، السابع من أكتوبر 2023 تحول الحلم إلى كابوس. "تدّمر كل شيء، مصنع المفتول ومخبز المعجنات. نزحنا جنوباً لا نملك شيئاً سوى ملابسنا"، تقول نعمة، التي تمثل قصةُ صمودها رحلة ريادة الأعمال الغزاوية بكل تناقضاتها.

لكنها لم تستسلم، أسّست مطبخاً في خيمةٍ بالجنوب، ثم استأجرت صالة وبدأت مشروع وجبات ساخنة، لتُسرق معداتها وتعاود البدء من جديد في خانيونس. وفي كل محطة، كانت تخلق فرص عمل لعشرات السيدات النازحات، محوّلةً كل منحة صغيرة إلى مشروع قائم.

اليوم، وبعد عودتها للعمل، تواجه نعمة حرباً من نوع آخر. حيث تشرح بمرارة: "المطابخ الضخمة والشركات الكبرى تُسيطر على المناقصات بأسعار منخفضة جداً، والجمعيات الكبيرة تأكل الصغيرة"، كاشفةً عن مفارقة مؤلمة في عالم المساعدات، فبينما تُمكّن المشاريع النسوية الصغيرة بمنح محدودة، تُمنح العقود الكبيرة للشركات التجارية، مما يقتل استدامة هذه المشاريع الصغيرة.

تختتم نعمة حديثها برسالة مباشرة للمجتمع الدولي: "لا أريد موادَّ خاماً، بل مشاريع مستمرة تضمن العمل للسيدات معي".

بيوت مفتوحة من المفتول

على أرضية مطبخٍ مؤقت في المحافظة الوسطى، يقف سائد تايه وزوجته إيمان أمام قُدور البُخار الكبيرة، يديران فريقَ عملٍ قُوامه ثلاثة عشر شخصاً، في محاولةٍ لإعادة إحياء مشروع "مفتول البدرساوي" الذي صنع ذات يومٍ قصةَ نجاحٍ متكاملة.

يروي سائد بحسرة لــ"شبكة نوى" كيف تبخَّر كلُ شيء مع الحرب: "قبلها بشهورٍ قليلة، كنا قد حصلنا على ترخيص تجاري رسمي، وجهزّنا طابقاً كاملاً في منزلنا في مخيم جباليا، شمال غزة، بأحدث المعدات، وبدأنا التوزيع على مستوى القطاع".

ذلك الحلم سرعان ما تحوَّل إلى ركام. نزحَ سائد وعائلته جنوباً، وفقدوا منزلهم ومصدر رزقهم. واليوم، عادوا للعمل من الصفر، ولكن في ظروفٍ أعادتهم سنواتٍ إلى الوراء. يقول سائد: "عملنا اليوم يدويٌ تماماً. نحن بحاجة ماسة لأفران وعجّانات ومصدر طاقة. نضطر لتحميل أنفسنا ديوناً لنحافظ على مكانتنا في السوق أمام المنتج المستورد، فقط لنُبقي موظفينا قادرين على إعالة أسرهم".

يجاهد سائد من أجل من الاستمرار، مختتماً حديثه، وعيناه مُعلّقتان على بخار المفتول الذي يحمل رائحةَ التراث وعناد البقاء : "كل ما نريده هو الاستقرار، وأن تدعمنا جهةٌ بالمعدّات لنواصل الوقوف على أقدامنا".

أين احتضان الشباب؟

في أحد أزقة حي الشيخ رضوان، كانت عواطف مراد (21 عاماً)، طالبة هندسة البرمجيات، تحلم بكتابة الأكواد وتصميم البرامج. أما اليوم، فبدلاً من أن تداعب أناملُها لوحةَ المفاتيح، تجدها تغوص في عجين الطحين. قصتها هي قصة جيل كامل من الشباب المتعلم في غزة، الذين سرقت الحربُ أحلامَهم وتركتهم يصارعون من أجل البقاء بأبسط الأدوات.

بدأ مشروع عائلة عواطف كبصيص أملٍ في خضّم الدمار. يروي شقيقها كيف كانوا يشترون الطحين من الجنوب، ثم تسارع عواطف ووالدتها وأختها إلى عجنه وتقطيعه، بينما يتولّى هو ووالده مهمة الخَبز. تقول عواطف: "كنا نُحضّر الخُبز البيتي ونغلّفه في أكياس، الأمور  بدت على خير ما يرام في البدايات".

لكن هذا المشروع الصغير سرعان ما اصطدم بالواقع القاسي للسوق بعد الحرب، عندما فتحت المخابز الآلية أبوابها، وبدأت تبيع ثلاث ربطات خبز بسعر منخفض، وهنا توقف العمل تماماً، تحكي عواطف: "الناس ما زالوا يُحبون الخبز البيتي، لكنهم يفضلون السعر الأرخص. لا يمكننا المنافسة".

إبّان الحرب، أُصيب خمسةٌ من أفراد العائلة، وكانت واحدة لا تزال تحمل شظيةً في جمجمتها وتحتاج لعملية جراحية وسفر للعلاج.

تخبرنا أنهم نزحوا ست مرات، وعاشوا في الشارع بلا خيمة أو مأوى، وذاقوا مرارة المجاعة. والأكثر إيلاماً عند الصَبيّة، هو أن حاسوبها المحمول (اللاب توب) الذي كان أداتها لتحقيق حلمها بالعمل عن بعد، قد سُرق.

"لدينا خبرات، ولكن لا يوجد من يحتضننا"، تقولها عواطف بأسىً يُعبّر عن حال آلاف الشباب، مفصحةً عن مطلبها: "أحتاج إلى لاب توب وحاضنة أعمال تدعمني. أنا لا أملكُ أياً منها".

البوابة 24