بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تفرض تطورات المرحلة الراهنة إعادة قراءة عناصر القوة الكامنة في الحالة الفلسطينية، في ظل تداخل اعتبارات استراتيجية وقانونية وسياسية إقليمية ودولية، وإزاء تحولات داخل إسرائيل تنعكس على طبيعة الصراع ومستقبله. فبعد سنوات من محاولات التعطيل والتهميش والتطبيع الجزئي، تعود القضية الفلسطينية لتشكل محورًا رئيسيًا في المشهد الإقليمي والدولي، لا بوصفها نزاعًا محليًا فحسب، بل كقضية ترتبط باستقرار المنطقة وبهيكل الأمن الدولي الأوسع. ورغم الظروف المعقدة، لا تزال أوراق القوة الفلسطينية الأساسية قائمة، سواء من خلال إرادة الصمود الشعبي أو من خلال استمرارية المطالبة بالحقوق الوطنية وفق الشرعية الدولية. وأثبتت التجارب أن محاولات الضغط أو الترهيب أو الترغيب لم تؤد إلى إضعاف الموقف الفلسطيني، بل عززت حضور الهوية السياسية والحقوقية للقضية، وأعادت تأكيد عدم قابلية الشعب الفلسطيني للاستسلام أو القبول بحلول تتجاوز متطلبات العدالة. هذه المعادلة لا تنطلق من الاعتبارات العاطفية، بل من قراءة موضوعية لمعادلات القوة الفعلية، التي تشمل الرصيد القانوني الدولي، والذاكرة التاريخية للقضية، وقدرة الفلسطينيين على إعادة إنتاج سرديتهم أمام المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي. في المستوى القانوني، تستند القضية الفلسطينية إلى منظومة متكاملة من القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، وجميعها تؤكد مبدأ تقرير المصير ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة وتجريم الاستيطان والضم. هذه المرجعية تمنح الصراع بُعدًا قانونيًا ثابتًا يصعب تجاوزه، وتُحمّل المجتمع الدولي مسؤولية حماية قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام. ومن منظور العدالة الدولية، بات من الواضح أن أي محاولة لتسوية النزاع بمعزل عن الشرعية الدولية أو بعيدًا عن هذه المرتكزات القانونية لن تنتج سلامًا مستدامًا، بل ستؤدي إلى تفاقم أسباب التوتر وعدم الاستقرار. التحولات في الموقف العربي والإقليمي حيث شهد الموقف العربي خلال العقد الأخير تباينات في المقاربات تجاه الملف الفلسطيني، إلا أن الأحداث الأخيرة أثبتت أن القضية ما زالت ضمن أولويات الأمن القومي العربي باعتبارها مسألة استراتيجية ذات امتداد إقليمي، وأن تجاوزها أو التعامل معها من باب التهميش يخالف معادلات الاستقرار في المنطقة. كما أفرزت التطورات الأخيرة إعادة تموضع ملحوظة في العلاقات الإقليمية والدولية، عززت إدراكًا مستجدًا بأن غياب حل عادل وشامل للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي يشكل عامل ضغط على منظومة العلاقات والتحالفات الإقليمية، ويُسهم في إدامة التوترات والنزاعات. وحقيقة القول أن إسرائيل أمام اختبارات داخلية ومعادلات أمنية جديدة ، فقد أظهرت الحرب وتداعياتها وجود انقسامات داخلية حول قضايا الأمن والسياسة والتسوية. فقد تصاعدت المزايدات السياسية داخل اليمين المتطرف، في مقابل دعوات من المؤسسة العسكرية والأمنية لإعادة تقييم السياسات القائمة بما يتناسب مع حدود القوة الفعلية ومع الحسابات الدولية. وتعكس هذه الانقسامات انتقال إسرائيل من مرحلة المبادرة إلى مرحلة إعادة الحسابات، مع إدراك متزايد لتراجع القدرة على فرض خيارات أحادية الجانب دون اعتبار للأطراف الأخرى أو للمجتمع الدولي. ووفق التوازنات الدولية ومستقبل النظام الإقليمي ، يتداخل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي اليوم مع شبكة علاقات دولية أوسع تشمل الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا، إضافة إلى القوى الإقليمية الأساسية. ويمكن القول إن الأزمة لم تعد محصورة في ثنائية احتلال–مقاومة، بل باتت جزءًا من منظومة الأمن الدولي. وهذا التحول يدفع القوى الكبرى إلى مقاربة الصراع ضمن معادلات أكثر تعقيدًا ترتبط بمستقبل النظام الدولي، وبالتوازنات في الشرق الأوسط، وبالاعتبارات الاقتصادية والسياسية والأمنية. وتبدو القضية الفلسطينية مقبلة على مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف مساراتها السياسية والدبلوماسية. فمن غير المتوقع أن تنهي الحرب القضية أو أن تفرض تسوية أحادية، بل ستدفع باتجاه تكريس مقاربة تستند إلى العدالة والشرعية الدولية باعتبارهما شرطين لأي استقرار مستدام. ومع تزايد الاقتناع الدولي بأن تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني لم يعد ممكنًا أو قابلًا للاستمرار، تصبح الخيارات المستقبلية محكومة بإطار قانوني وسياسي يعيد الاعتبار لمفهوم الحل العادل والشامل، ويؤسس لسلام قائم على الاعتراف بالحقوق لا على تجاوزها. وخلاصة القول إن القراءة الموضوعية للمرحلة تظهر أن الصراع لم يعد يدور فقط حول موازين القوة التقليدية، بل حول كيفية إعادة دمج القضية الفلسطينية في النظامين الإقليمي والدولي وفق منطق العدالة والقانون ومتطلبات الأمن. وعند هذه النقطة، يصبح من الواضح أن الشعب الفلسطيني ما زال يمتلك القدرة على التأثير في مسار الصراع، وأن مستقبل القضية لن يُقفل إلا عبر حل يعكس الشرعية الدولية ويحقق متطلبات السلام المستدام.
