تعليق الحقوق الفلسطينية… حين تتحوّل الأوامر العسكرية الإسرائيلية إلى جرائم حرب مكتملة الأركان
بقلم: المحامي علي أبو حبلة باحث في القانون وكاتب ومحلل سياسي – رئيس تحرير صحيفة “صوت العروبة”
في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، تواصل سلطات الاحتلال تعليق الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بشكل ممنهج ودون أي أفق سياسي، في انتهاك صارخ لقانون الاحتلال والقانون الدولي الإنساني، وعلى رأسه اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. إن هذا التعليق القسري للحقوق لا يمكن اعتباره إجراءً أمنيًا مؤقتًا، بل يمثل سياسة رسمية تهدف إلى تكريس الاحتلال وتحويله إلى واقع دائم قائم على نزع الحقوق الوطنية والإنسانية. الاحتلال ومسؤولياته القانونية يُلزم القانون الدولي دولة الاحتلال بجملة من الواجبات الأساسية تجاه السكان المدنيين الواقعين تحت سيطرتها، أبرزها حماية المدنيين، والحفاظ على النظام العام، واحترام القوانين السارية في الإقليم المحتل، وعدم إجراء أي تغييرات دائمة على طبيعته القانونية أو السياسية. غير أن إسرائيل، ومنذ عام 1967، لم تكتفِ بخرق هذه الالتزامات، بل عمدت إلى تفريغ مفهوم الاحتلال ذاته من مضمونه القانوني، عبر فرض منظومة تشريعية عسكرية بديلة تستهدف السيطرة لا الإدارة، والضم لا الحماية. الأوامر والمناشير العسكرية: تشريع القمع شكّلت الأوامر والمناشير العسكرية الإسرائيلية العمود الفقري لسياسة الاحتلال، حيث حوّلت الحياة الفلسطينية إلى فضاء خاضع لقرارات عسكرية تتحكم في الأرض والمياه، وحرية الحركة، والبناء، والعمل، والتنظيم السياسي. وتُعد هذه الأوامر خرقًا فاضحًا للمادة (64) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على دولة الاحتلال فرض تشريعات دائمة في الأراضي المحتلة، كما تمثل انتهاكًا مباشرًا للحقوق والحريات الأساسية المكفولة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. استهداف الحقوق الوطنية لا يقل خطورة لم تتوقف الانتهاكات الإسرائيلية عند الحقوق الفردية، بل طالت الحقوق الوطنية الجماعية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، والحق في الأرض والموارد الطبيعية، وحق اللاجئين في العودة. وقد جرى الالتفاف على هذه الحقوق عبر سياسات الضم الزاحف، والتوسع الاستيطاني، وتقسيم الأرض الفلسطينية، في تحدٍّ صريح لقرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2334 الذي أكد عدم شرعية الاستيطان واعتباره انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي. صفقة القرن… من مشروع سياسي إلى أوامر عسكرية جاءت ما يُعرف بـ”خطة ترمب للسلام” لتوفر غطاءً سياسيًا لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية، حيث جرى تحويل مضامينها إلى إجراءات تنفيذية وأوامر عسكرية، تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية من النهر إلى البحر، وشرعنة الضم، وإسقاط المرجعيات الدولية لعملية السلام. إن إدراج هذه المضامين ضمن منظومة الأوامر العسكرية يشكّل جريمة حرب مكتملة الأركان، وفقًا للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر تغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة بالقوة. المسؤولية الجنائية لقادة الاحتلال بحسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن ممارسات الاحتلال، من مصادرة الأراضي، والنقل القسري للسكان، وفرض نظام تمييزي دائم، وحرمان شعبٍ واقع تحت الاحتلال من حقوقه الأساسية، تندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وعليه، فإن قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين يتحملون مسؤولية جنائية دولية مباشرة، ما يستوجب ملاحقتهم ومحاسبتهم، حمايةً للقانون الدولي ومنعًا لإفلات الجناة من العقاب. تداعيات خطيرة وصمت دولي مريب إن استمرار تعليق الحقوق الفلسطينية دون مساءلة دولية حقيقية يقوّض أي إمكانية لحل سياسي عادل، ويدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار، ويكرّس نظام فصل عنصري بحكم الأمر الواقع. وفي هذا السياق، فإن الصمت الدولي لم يعد حيادًا، بل بات تواطؤًا غير مباشر، يتناقض مع الالتزامات القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي. خاتمة إن الأوامر والمناشير العسكرية الإسرائيلية ليست أدوات إدارية، بل وسيلة ممنهجة لإدامة احتلال غير شرعي وتقويض الحقوق الفلسطينية. وأمام هذا الواقع، فإن استعادة مكانة القانون الدولي كمرجعية ملزمة، ومحاسبة دولة الاحتلال وقادتها، لم تعد خيارًا سياسيًا، بل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا، دفاعًا عن العدالة وحقوق الإنسان، وصونًا لما تبقى من النظام الدولي القائم على احترام القانون لا منطق القوة.
