شهدت أسواق المعادن الثمينة مطلع العام الحالي واحدة من أكثر الفترات تقلباً في تاريخها، بعدما سجّل الذهب والفضة مستويات غير مسبوقة، قبل أن يتعرضا لهبوط حاد ومفاجئ أعاد رسم خريطة الاستثمارات الآمنة عالمياً.
فخلال أيام قليلة، انتقل المستثمرون من نشوة القمم التاريخية إلى صدمة الانهيار السريع، في مشهد عكس هشاشة التوازن بين السياسة والمال.
قفزات قياسية… الذهب فوق ٥٥٠٠ دولار والفضة تتجاوز التوقعات
في ذروة الصعود، اخترق الذهب حاجز ٥٥٠٠ دولار للأوقية، وهو مستوى لم يسبق تسجيله في تاريخ التداولات العالمية، مدفوعاً بحالة ذعر استثماري واسعة.
أما الفضة، ففاجأت الأسواق بأداء أكثر شراسة، إذ قفزت بنحو ٦٠٪ خلال شهر واحد فقط، لتلامس مستوى ١٢٠ دولاراً للأوقية، متفوقة بفارق كبير على الذهب.
هذا الاندفاع لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة مزيج معقد من العوامل السياسية والاقتصادية والنقدية.
لماذا اندفع المستثمرون نحو الذهب؟
١- عودة «فوضى ترمب» إلى الواجهة التجارية
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشعال المخاوف في الأسواق العالمية، بعد تهديدات بفرض تعريفات جمركية جديدة على الاتحاد الأوروبي وكندا والصين.
هذه التصريحات، إلى جانب توترات سياسية مرتبطة بملفات حساسة مثل غرينلاند، ضربت الثقة في استقرار النظام التجاري العالمي، ودَفعت رؤوس الأموال للهروب من الدولار نحو الذهب.
٢- اشتعال الجبهات الجيوسياسية
استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد العدوان على غزة، إلى جانب أزمات سياسية مفاجئة في أميركا اللاتينية، خلق بيئة عالمية شديدة الاضطراب.
في مثل هذه الظروف، يعود الذهب تقليدياً ليتصدر المشهد كأكثر الأصول قدرة على امتصاص الصدمات.
٣- شهية غير مسبوقة من البنوك المركزية
عززت بنوك مركزية كبرى، وعلى رأسها الصين، مشترياتها من الذهب ضمن استراتيجية تقليل الاعتماد على الدولار، تحسباً لأي سيناريوهات تجميد أصول مستقبلية.
كما دخلت شركات كبرى في قطاع العملات الرقمية على خط الشراء، أبرزها «تيثير»، التي راكمت احتياطيات ذهبية فاقت احتياطات دول كاملة.
لماذا تفوقت الفضة على الذهب؟
الفضة لم تكن مجرد ملاذ آمن، بل سلعة استراتيجية ذات استخدامات صناعية متنامية.
فالطلب عليها يرتبط بشكل مباشر بتطورات الذكاء الاصطناعي، والطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية، حيث تُستهلك وحدها نحو ٣٠٪ من الإنتاج العالمي في صناعة الألواح الشمسية.
ومع تسجيل عجز في المعروض للعام الخامس على التوالي، تحولت الفضة إلى ساحة مضاربات نشطة، خصوصاً من قبل المستثمرين الأفراد عبر تطبيقات التداول السريع، ما فاقم حدة الصعود.
ترشيح كيفن وورش… الشرارة التي فجّرت الهبوط
بينما كانت الأسعار تحلّق، جاء التحول المفصلي من واشنطن.
تقارير عن ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قلبت المعادلة رأساً على عقب.
الأسواق رأت في وورش خياراً «تقليدياً ومنضبطاً» مقارنة بأسماء أخرى كانت تُخيف المستثمرين بسبب احتمال خضوعها لضغوط سياسية لخفض الفائدة بشكل مفرط.
هذا الترشيح أعاد قدراً من الثقة بالدولار وبالسياسة النقدية الأميركية، ما دفع المستثمرين إلى بيع الذهب والفضة وجني الأرباح سريعاً.
وخلال جلسة واحدة، هبط الذهب إلى ما دون ٥٠٠٠ دولار للأوقية، فيما تراجعت الفضة إلى أقل من ٧٥ دولاراً، في واحدة من أعنف موجات التصحيح.
ماذا بعد الانهيار؟ تحذيرات للمستثمرين الأفراد
رغم الخسائر الأخيرة، لا تزال أسعار الذهب والفضة أعلى بكثير من مستويات العام الماضي، إلا أن الخبراء يحذرون من الانجراف خلف الزخم السعري.
فالمعادن الثمينة لا توفر عائداً دورياً أو توزيعات أرباح، وتعتمد قيمتها بالكامل على إعادة البيع.
وينصح محللون وأكاديميون بألا تتجاوز حصة الذهب والفضة في المحافظ الاستثمارية نسبة ٥–١٥٪ كحد أقصى، ضمن استراتيجية تنويع تهدف إلى تقليل المخاطر في عالم اقتصادي يتجه نحو مزيد من عدم اليقين.
