بقلم ا.د. خالد محمد صافي
يبدو أن قادتنا أو من وضعوا أنفسهم قادة علينا لا يقرأون التاريخ جيدا فتأتي أقوالهم زبدا كموج البحر كي تزيد اتساع الفجوة والهوة بينهم وبين الجماهير التي تعتبر الحاضنة الشعبية لحركتهم أو حزبهم. فقراءة التاريخ هي من أجل دراسة الماضي كي نفهم الحاضر ونستعد للمستقبل فكرا وخططا. ولكن هؤلاء القادة في تصريحاتهم اليومية يبدو أنهم مصرين على التأكيد أنهم لم يقرأوا التاريخ، وحتى لو قرأوه فإنهم لم يفهموه نظرا للغشاوة الأيدلوجية المتعصبة التي تغلق عيونهم عن رؤية الحقيقة. ومن المعروف أن التعصب الأعمى يعمي البصر والبصيرة. ووفق قراءة التاريخ نأتي بحدثين على سبيل المثال لا الحصر للتدليل على ما نقول، فالحدث الأول يعود إلى كيف واجه المسلمون الصليبين وكيف استعد نور الدين محمود لمواجهتهم في العالم الإسلامي الشرقي، وكيف أرسل اسد الدين شيريكوه صلاح الدين الأيوبي إلى مصر لترتيب أوضاعها السياسية في مواجهة الصليبين، وتبعه في ذلك صلاح الدين الأيوبي الذي قضى من عمره سنوات عدة في توحيد الجهد الإسلامي في مصر وبلاد الشام لمواجهة المشروع الصليبي، وبعد أن حشد الشعب والعلماء والنساء في مشروع جهادي اتجه لمواجهة الصليبين في بلاد الشام وانتصر في معركة حطين الذي شكلت بوابة القضاء على المشروع الصليبي في المشرق، ودق مسمار الأول في نعش هذا المشروع. فصلاح الدين لم يغامر ولم يقامر بالقتال دون الاستعداد ورسم الأهداف بدقة وما تحتاجه هذه الأهداف من إمكانيات بشرية ومادية. فكان له ما أراد نتيجه قراءة للتاريخ وفهمة لطبيعة مشروع صليبي مدعوم من قبل ممالك الحكم في أوروبا.
اما الحدث الثاني فإنه يعود لفترة معاصرة كي نقرب الأمر لقرائنا الأعزاء وهو الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939م، فرغم أنه وضعت أهداف الثورة وتم الإعلان عنها، وهو التخلص من الاحتلال البريطاني ومن ثم المشروع الصهيوني، واستنفذت الثورة مقدرات الشعب البشرية والمادية دون أن تحقق أهدافها الرئيسية، ولكن قيادة الثورة لم تقبل بفشل تحقيق أهدافها فاعتبرت عدم تطبيق قرار لجنة بل بالتقسيم هو نجاح لها، وأرعدت وأبرقت بما تم إنجازه وهللت وكبرت لما حققته من نصر متناسية الأهداف الحقيقية التي وضعتها للثورة ولم تحقق منها شيئا. وأن ما حصلت عليه من كتاب ابيض سنة 1939م ليس سوى كتاب من طرف واحد وهو بريطانيا املته ظروف الحرب العالمية الثانية وهو ليس سوى بيع اوهام للعرب لشراء صمتهم من أجل تفرغ بريطانيا للمجهود الحربي لمواجهة دول المحور في أوروبا وهي المانيا وايطاليا. اي أن القيادة الفلسطينية لم تحقق أي هدف من أهدافها الحقيقية واكتفت بالجعجعة كونها حققت مكاسب ظاهرية تكتيكية بريطانية وليست مكاسب حقيقية استراتيجية في إنهاء الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني، وعاد مشروع التقسيم بقوة بعد الحرب العالمية الثانية في كل المشاريع البريطانية حتى حدث قرار التقسيم في 29/11/1948 وكان الطامة الكبرى والنكبة. ولم تقرأ القيادة الفلسطينية في تلك الفترة التاريخ وكيف باعت بريطانيا العرب اوهاما ووعودا في مراسلات الحسين مكماهون. وما أن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى كشرت بريطانيا عن أنيابها وأبرزت اتفاقياتها السرية مع الحركة الصهيونية وفرنسا ممثلة في اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور. وتخلت بريطانيا عن وعودها للعرب وذهب مجهودهم الحربي خلال الحرب إلى جانب بريطانيا هباء منثورا. وها نحن لا زلنا في قيادتنا لا نقرأ التاريخ جيدا، فقد كان من أهداف عملية طوفان الأقصى هو تحرير الأقصى والأسرى، ولم تتحقق هذه الأهداف، ودفع الشعب الفلسطيني ثمن هذه المغامرة والمقامرة من دمه الكثير. فبقي الأقصى مستباحا، وامتلئت سجون الاحتلال بأضعاف ما كان، وتم أبادة الشعب وأمكانياته بشرا وحجر وشجرا وحلما وأمل حتى إمكانياته الأثرية والتعليمية والثقافية قد دمرت، وتم سحق إنسانيته وأدميته في اكبر عملية إبادة في القرن الواحد والعشرين، وقضت على مقومات بقاءه وصموده.
وتأتي لنا تصريحات من قيادة أصبحت تعيش في الخارج في بروج عاجية ولا تعي حقيقة ما حدث ويحدث في داخل قطاع غزة مما يتم عن غياب البصر والبصيرة وراء رؤية وتربية حزبية ايدلوجية مقيته تغشى العيون والقلب فتحجب رؤية الحقيقة. فيتم النظر إلى فتح معبر رفح بهذا الشكل الانهزامي والمخجل وفق الشروط الاسرائيلية سواء على صعيد سجن المكان بالاسلاك الشائكة وتحول المعبر إلى سجن يجعل الخروج من قطاع غزة انعتاق من الجحيم نحو الحرية واسترداد الآدمية الإنسانية خارجه وهو ضرب لصمود الشعب وبقاءه على أرضه ووطنه. وتحكم العدو في العدد وفيمن يدخل كأنه تراكم إنجازات عملية طوفان الأقصى. والتلويح بأن فتح المعبر هزيمة نكراء لنتنياهو وحشره في الركن. فهل هذا التصريح يعبر عن حقيقة الواقع وكارثية ما يحدث. هل فتح المعبر كان أحد ألف عملية طوفان الأقصى، وهل فتح المعبر بهذه الطريقه الانهزامية المخجلة هو انتصار على نتنياهو. فمن المعروف في العقلية الصهيونية بل في تركيبة العقل اليهودي منذ القدم وحتى مع الانبياء أنهم يشتتوا من أمامهم في تفاصيل التفاصيل حتى يبعد الآخر عن الجوهر والأساس في الموضوع، فعلوا ذلك مع سيدنا موسى ومع أنبياء آخرين. ولذلك أخذنا نتنياهو وأخذ العالم إلى تفصيل المعبر على أنه أمر مستحيل حتى يوهم العالم أن قضية غزة هي المعبر وليس قضية غزة قضية سياسية وحق تقرير مصير لشعب وصيرورة قضية سياسية وليست إنسانية. فأوهم هذه القيادة العاجزة البلهاء أن ما حدث هو اختراق خطير ونصر مؤزر مبين. في قيادة مهزومة غامرت وقامرت بشعب وقضية وحولته إلى شعب متسول وحولت قضيته السياسية إلى قضية إنسانية إغاثية. فاعتبر هذا القيادي في تصريحاته أنه حقق نصرا، لانه لم يحقق شيء بل الخراب لشعبه وقضيته فأخذ يرفع راية الوهم في النصر والانتصار، ويحول الهزيمة إلى نصر، ويحول الكارثة إلى انجاز، ونسي الأهداف الحقيقية لعمليته المغامراتية الدنكشوتية واكتفى بالترويج والتلويح بالأوهام والتفاصيل الجزئيه التي شغل نتنياهو العالم.
