بقلم: د. نهاد رفيق السكني
في عصر الإعلام الاجتماعي والبروباغندا الرقمية، لم يعد التأثير حكرًا على السياسيين أو المثقفين التقليديين. اليوم، يستطيع أي صانع محتوى تيكتوكر أو يوتيوبر .. الخ من المسميات ، مهما كان مستواه التعليمي أو الثقافي، أن يصل إلى ملايين البشر، وأن يؤثر في وعيهم، بل أحيانًا أن يتفوّق في حضوره وتأثيره على أصحاب القرار أنفسهم. لم يعد العلم أو التاريخ أو الفلسفة وحدها تصنع النفوذ، ولم يعد العمق أو التوثيق معيارًا للتأثير. المعيار الحقيقي بات القدرة على جذب الانتباه، وتحريك العاطفة الجماهيرية، واستثمار الفراغ الفكري أو الأخلاقي لدى الجمهور. في هذا السياق، يمكن لفيديو قصير أو منشور صادم أن يحجب جرائم كبرى، ويصنع رموزًا زائفة، ويحوّل أحداثًا مصيرية إلى تفاصيل هامشية، بينما يبقى الجمهور أسير خطاب يُدار من خلف الستار، دون أن يدرك من يحرّك الخيوط. غير أن هذا الصعود السريع لأي صانع محتوى لا يحدث في فراغ، ولا يعتمد فقط على وعيه أو صدق فكرته أو حتى مهارته. ما يرفعه أو يُسقطه فعليًا هو الخوارزميات؛ أنظمة تُقدَّم بوصفها محايدة، لكنها في الواقع تعمل وفق تعليمات دقيقة، وأجندات واضحة، وحدود صارمة لما يُسمح له بالانتشار وما يجب دفنه. تجاوز هذه الخوارزميات اليوم صار أصعب من تجاوز معبر رفح: أسلاك شائكة، نقاط تفتيش رقمية، حواجز خفية، وكاميرات لا تتعرّف على الوجوه فقط، بل على الكلمات والنوايا والسياقات. ما يُسمح له بالوصول إلى الجمهور ليس ما هو الأصدق أو الأعمق، بل ما يخدم منطق السوق، ويُبقي الجمهور في حالة استهلاك دائم، وانفعال مستمر، دون وعي حقيقي. الأخطر من ذلك، أن هذه القواعد لا تُطبَّق دائمًا بالتساوي. فالمحتوى الذي قد يُعدّ مخالفًا لسياسات المنصات في سياق معيّن، يمكن أن يُمرَّر ويُضخَّم إذا خدم رواية بعينها. هكذا رأينا كيف تُمرِّر الخوارزميات موادًا مرئية تخدم سرديات القوة وتعيد إنتاج صورة “غزة كقوة عظمى” أو تزيّف السياق، حتى لو كانت في وضع طبيعي كفيلة بإغلاق صفحات كاملة، أو حظر حسابات فورًا. لكن طالما أن هذا المحتوى يصبّ في مصلحة إسرائيل، أو يخفف من وطأة جرائمها، تصبح المعايير أكثر مرونة، والرقابة أكثر تساهلًا. أما الأفكار التي تهدد هذا النظام، أو تكشف اختلاله الأخلاقي والسياسي، فتُحاصر في الظل، تُخنق بصمت، أو تُدفن تحت سيل من التفاهة المصنّعة بعناية. وهكذا، لا تتشكّل الجماهير عفويًا، بل يُعاد هندستها رقميًا، وفق ما تقرره خوارزميات لا يراها أحد، لكنها تحكم الجميع. في هذا المشهد، لم يعد السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك الخوارزمية الأذكى. فالقوة اليوم لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بالقدرة على التحكم بما يراه الناس، وما يُخفى عنهم، وما يُعاد تدويره حتى يصبح “حقيقة” غير قابلة للنقاش. تضخيم قدرات غزة، أو شيطنتها، أو تفريغ معاناتها من معناها، ليست أخطاء عشوائية في نظام رقمي معطوب، بل نتائج منطقية لمنظومة تعرف تمامًا ما تفعل، ولمن يديرها من خلف الشاشات. هكذا يُعاد تشكيل الوعي الجمعي: ليس عبر القمع المباشر، بل عبر الإغراق، الانتقائية، وإدارة الغضب. يُسمح لبعض الروايات أن تتضخم، حتى لو خالفت الواقع أو سياسات المنصات نفسها، بينما تُحاصر روايات أخرى لأنها تهدد التوازن الذي يخدم القوة. في النهاية، لا يصبح الجمهور ضحية الكذب فقط، بل شريكًا غير واعٍ في إعادة إنتاجه، وهو يظن أنه يختار، بينما كل الخيارات مُرتّبة سلفًا.
