بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تعكس تصريحات مجلس المستوطنات في الضفة الغربية حول قرارات الكابينت الإسرائيلي الأخيرة تحوّلًا بالغ الخطورة في طبيعة السياسة الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ لم يعد الأمر يقتصر على توسيع استيطاني تدريجي، بل بات أقرب إلى إعلان سياسي صريح لفرض السيادة بحكم الأمر الواقع. وصف مجلس المستوطنات هذه القرارات بأنها “الأهم منذ 58 عامًا” يحمل دلالات سياسية عميقة، ويشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تجاوزت مرحلة إدارة الاحتلال، وانتقلت إلى تكريس وقائع دائمة على الأرض، بما يعيد تعريف الضفة الغربية داخل الخطاب الرسمي الإسرائيلي باعتبارها جزءًا من “أرض إسرائيل”، وفق الرؤية الأيديولوجية لتيار اليمين المتطرف. الأخطر في هذه التصريحات هو الحديث عن أن الحكومة “تعلن عمليًا أن الأرض تعود للشعب اليهودي”، وأنها “ترسخ سيادتها على الأرض”. فهذه اللغة لا تترك مجالًا للالتباس، وتعني عمليًا تجاوز مبدأ الأرض المحتلة، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. من إدارة الاحتلال إلى تكريس الضم ما يجري اليوم في الضفة الغربية هو انتقال متدرج لكنه متسارع من احتلال عسكري تدّعي إسرائيل أنه مؤقت، إلى ضم فعلي غير معلن، عبر أدوات قانونية وإدارية متراكمة، تشمل توسيع صلاحيات المستوطنات، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وفرض أنظمة قانونية إسرائيلية على المستوطنين، في مقابل إخضاع الفلسطينيين لنظام عسكري مختلف. هذا الواقع يخلق نظامًا قانونيًا مزدوجًا على الأرض نفسها، وهو ما دفع منظمات دولية وحقوقية إلى توصيفه كنظام تمييز وفصل عنصري، بما يحمله ذلك من تبعات سياسية وقانونية على صورة إسرائيل وعلاقاتها الدولية. سياق دولي وإقليمي معقّد تأتي هذه التطورات في ظل انشغال المجتمع الدولي بتداعيات الحرب على غزة، وتراجع مستوى الضغط السياسي الفعلي على الحكومة الإسرائيلية، مقابل الاكتفاء ببيانات التحذير والدعوات العامة إلى التهدئة. هذا السياق الدولي المختل أسهم في رفع سقف خطاب المستوطنين، والانتقال من سياسة فرض الأمر الواقع الصامت إلى الإعلان العلني عن السيادة. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل ما يجري في الضفة الغربية عن انعكاساته الإقليمية، خصوصًا على الأردن، الذي يرتبط بالضفة الغربية بحدود جغرافية مباشرة، وبمصالح أمنية وسياسية واستراتيجية، فضلًا عن دوره التاريخي في رعاية المقدسات، وحرصه الدائم على حل الدولتين كخيار وحيد لتحقيق الاستقرار. تداعيات على مستقبل الحل السياسي تكريس السيادة بحكم الأمر الواقع يوجّه ضربة قاسية لما تبقى من أفق سياسي قائم على حل الدولتين، ويقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويزيد من احتمالات التصعيد وعدم الاستقرار، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التهدئة لا إلى توسيع دائرة الصراع. خلاصة إن تصريحات مجلس المستوطنات لا تعبّر عن رأي هامشي، بل تكشف بوضوح اتجاه السياسة الإسرائيلية الحالية، القائمة على فرض الوقائع وتجاهل قواعد القانون الدولي. وأمام هذا المسار، يصبح الصمت الدولي عامل تشجيع غير مباشر، فيما تظل الحاجة ملحّة إلى موقف دولي فاعل يعيد الاعتبار للقانون الدولي، ويحمي فرص السلام العادل والدائم في المنطقة.
