تفكيك الوطن: معركة الوجود لا تحتمل التردد

بقلم: موسى الصفدي

ما يشهده المشروع الوطني الفلسطيني اليوم ليس مجرد خلاف سياسي قابل للإدارة، ولا تصعيداً عابراً يمكن احتواؤه ببيانات الشجب والاستنكار؛ نحن أمام هجمة شاملة وممنهجة تقودها حكومة اليمين المتطرف، التي انتقلت فعلياً من مرحلة "إدارة الاحتلال" إلى مرحلة "الحسم والفرض بالقوة"، مستهدفةً تصفية القضية الفلسطينية من جذورها. الاستيطان: من أداة تفاوض إلى فرض سيادة إن قرارات "الكابينت" الإسرائيلي الأخيرة بتوسيع الاستيطان في عمق الضفة الغربية، وإلغاء القيود على تملك المستوطنين للأراضي في مناطق (أ) و(ب)، تمثل الإعلان الفعلي لدفن حل الدولتين. لم يعد الاستيطان مجرد نشاط عمراني غير شرعي، بل غدا قرار سيادة صامتاً يهدف إلى تقطيع أوصال الأرض، وتحويل السلطة الوطنية إلى مجرد "إدارة محلية" معزولة بلا أفق سياسي أو جغرافي. إنها عملية "ضم قانوني وديموغرافي" تسعى لإفراغ أي مفاوضات مستقبلية من مضمونها. غزة.. محاولات عزل الإرادة الوطنية وفي قطاع غزة، تتكشف فصول المؤامرة بشكل أكثر دموية. فالتصعيد العسكري المستمر ومخططات ما يسمى بـ "اليوم التالي" ليست موجهة ضد فصيل بعينه، بل هي محاولة محمومة لإقصاء الإرادة الوطنية ومنع منظمة التحرير الفلسطينية من ممارسة دورها الطبيعي كممثل شرعي ووحيد. إن المشاريع التي تُطرح تحت مسميات "الإدارة المدنية" أو "مجالس السلام"، ليست سوى وصفات لإدامة الانقسام وتكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين غزة والقدس والضفة، وتحويل قضيتنا من قضية تحرر وطني إلى ملف أمني-إنساني يُدار دولياً بعيداً عن مرجعيتنا السياسية. حرب "الضم المالي": الدبابة والاتفاقية في خندق واحد اقتصادياً، تستخدم سلطات الاحتلال سلاح المال بوحشية لا تقل خطراً عن الآلة العسكرية. إن احتجاز أموال المقاصة للشهر الثامن على التوالي، وتجفيف الموارد، وخنق القطاع الخاص، هي سياسة "تجويع مقصودة" تهدف إلى إنهاك صمود المجتمع الفلسطيني ودفعه نحو الفوضى أو التهجير القسري. هذا "الضم المالي" يهدف بوضوح إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى "بلدية كبرى" عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها، تمهيداً لإنهاء فكرة الدولة من أساسها. لحظة الحقيقة.. المسؤولية التاريخية للمنظمة في ظل إقليم منشغل بملفات كبرى، وتحالفات أمنية دولية تحاول تهميش القضية الفلسطينية، تحاول إسرائيل تمرير مشروعها بهدوء قاتل. أمام هذا الواقع، لا تملك حركة "فتح" ولا منظمة التحرير ترف الانتظار أو المراهنة على المتغيرات. المطلوب اليوم هو قرار وطني شجاع يستنهض طاقات الشعب، ويعيد ترتيب البيت الداخلي على قاعدة الوحدة والمواجهة. إن تقوية منظمة التحرير وحماية وحدتها التمثيلية ليست مجرد خيار سياسي، بل هي ضرورة وجودية لمنع الانهيار الشامل. هذه ليست لحظة للمناورات، بل هي لحظة المسؤولية التاريخية؛ فإما أن نكون على قدر عظمة تضحيات شعبنا ونستعيد زمام المبادرة الوطنية، أو نترك الوطن يُفكك قطعةً قطعة تحت أعين العالم. إن معركة الوجود لا تحتمل التردد، والقدس ستبقى دائماً هي البوصلة والمنتهى

البوابة 24