د.رياض علي العيلة
في مشهد سياسي دولي يموج بالتناقضات، اجتمع "مجلس السلام" في واشنطن لمناقشة مستقبل قطاع غزة، بحضور ممثلين عن العديد من الدول. ولكن اللافت للنظر، بل والصادم، هو الغياب التام لأي تمثيل حقيقي لأهل فلسطين في غزة عبر سلطتهم الوطنية الفلسطينية الشرعية ومنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس، رئيس دولة فلسطين المعترف بها من قبل 160 دولة في العالم من أصل 193. فهل يمكن صنع سلام لأهل غزة بدون أهل غزة؟ وهل يخفي هذا الاجتماع أهدافاً أخرى غير معلنة تتعلق بإعادة هندسة الصراع لصالح المشروع الأمريكي الإسرائيلي؟
بنظرة سريعة على الاجتماع من حيث الدعوة والمكان، يمكن وصفه على المستوى الإجرائي -من وجهة نظر منظميه- بأنه "ناجح". إذ استطاعت الإدارة الأمريكية، بتأسيس المجلس، حشد حضور دولي واسع، وتم التوقيع على ميثاق المجلس بحضور شخصيات بارزة. لكن النجاح الحقيقي لأي مبادرة سلام يُقاس بمدى قبولها من قبل أصحاب الشأن الحقيقيين، وهنا تكمن الكارثة.
ويشكل الغياب المتعمد لممثلي منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية عن هذا المجلس ليس مجرد "هفوة بروتوكولية"، بل هو مؤشر خطير على نية تهميش المرجعية الفلسطينية الشرعية وتفكيك وحدة الأرض الفلسطينية. كما حذر الناطق باسم حركة فتح، جمال نزال، من أن تجاوز السلطة الوطنية الفلسطينية سيقود إلى تفكيك وحدة الأرض الفلسطينية، وأن أي محاولة لخلق كيانات مؤقتة "لن تصمد أمام الواقع والتاريخ". هذا التجاهل المتعمد يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الهدف هو السلام أم فرض أمر واقع جديد؟
بالنظر إلى تشكيلة المجلس وصلاحياته، يبدو المشهد أقرب إلى إنشاء "شركة قابضة" دولية لإدارة أصول غزة، وليس مجلس سلام لتحقيق سلام عادل. فالميثاق المنشور يمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صلاحيات استثنائية، إذ يرأس المجلس مدى الحياة، وله وحده الحق في دعوة أعضاء جدد أو عزلهم، وجميع القرارات تخضع لموافقته. بل إن الدول الراغبة في عضوية دائمة يتوجب عليها دفع مليار دولار نقداً لصندوق يسيطر عليه ترامب شخصياً.
هذه البنية "الترامبية" تحوّل المجلس إلى كيان خاص أكثر منه منظمة دولية؛ حيث وصف الباحث ماكس رودنبيك من مجموعة الأزمات الدولية هذا النظام بأنه "يطرح إشكالية بصيغته الحالية لأن هيكلاً تسيطر عليه الولايات المتحدة لا يمكن وصفه بمنظمة دولية تتمتع بشرعية ديمقراطية". فكيف يمكن الوثوق بمنظمة يتحكم رجل واحد بمالها وقراراتها لتحقيق "سلام" في منطقة شديدة التعقيد؟
الاستيلاء الأمريكي على غزة: بين نزع السلاح و"الصفقة الكبرى"
ما يثير القلق حقاً هو غياب الربط العلني بين إعادة الإعمار وإرجاع القطاع إلى أهله وممثليهم في منظمة التحرير الفلسطينية. ويؤكد ذلك التقارير الصحفية التي تتحدث عن خطة أمريكية تمنع توحيد الأرض المحتلة منذ حرب حزيران عام 1967 لقيام الدولة الفلسطينية مع الضفة الغربية والقدس الشرقية عاصمة لها. وهذا الطرح، كما علق ناشطون، "لا يعكس حرصاً على السلام بقدر ما يكشف رغبة في إعادة هندسة ميزان القوى في المنطقة، من دون معالجة جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والحصار والتهجير المستمر".
الحديث هنا لم يعد عن إنهاء احتلال، بل عن تهجير أهل غزة كبداية لتهجير أهل فلسطين في الضفة والقدس، وإنهاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وتدمير مقارها ومدارسها وعياداتها وجميع مؤسساتها في غزة والضفة والقدس، تمهيداً لتهجير شعب فلسطين من قبل "مجلس التهجير" وليس السلام. وكأن الطرف المحاصر والمُعتدى عليه -الشعب الفلسطيني- هو الذي سبب حرب الإبادة للبشر والحجر والشجر، وليس الاحتلال. إن تحويل الإعمار من حق إنساني إلى ورقة ضغط سياسية هو شكل من أشكال الابتزاز، يهدف لإخضاع الإرادة الفلسطينية وكسر مشروعها الوطني، والاستجابة للحلم الإسرائيلي القديم الجديد المتمثل بـ"تهجير الشعب الفلسطيني الكنعاني من أرضه فلسطين".
وتأتي هذه المخططات تلبية لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين المتطرفين، وما تجده من آذان صاغية في دوائر صنع القرار الأمريكي. فوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يتحدث علناً عن "تشجيع الهجرة من غزة". ومخطط "الهجرة الطوعية" هذا ما هو إلا سياسة تهجير قسري، تُهندس عبر خلق ظروف غير قابلة للحياة، أي إنها -في جوهرها- إعادة صياغة لنكبة 1948.
وما كانت حرب الإبادة إلا لتدمير غزة وجعلها غير صالحة للسكن، ثم تقديم "خيار" المغادرة للفلسطينيين كـ"حل إنساني". هذا هو جوهر مخطط "صفقة القرن" في ثوبها الجديد: تصفية القضية الفلسطينية ديموغرافياً، والاستيلاء على ما تبقى من أرض، تحت شعارات التنمية والإعمار.
ورغم هذه المخططات، يبدو المشهد على الأرض مختلفاً، إذ يؤكد الفلسطيني تمسكه بأرضه، ومشاهد عودة العالقين تحت الخيام البالية إلى بيوتهم المدمرة تبعث على الإحباط في أوساط صناع القرار الإسرائيليين. وإن وصول أول عائد غزاوي فلسطيني من مصر إلى غزة هو إفشال لمشروع التهجير الذي سعت إليه إسرائيل، وما زالت، وتبناه الرئيس الأمريكي ويحاول تنفيذه عبر ما يسمى "مجلس السلام".
إن "مجلس السلام" في صيغته الحالية ليس مشروع سلام، بل هو مشروع هيمنة. نجاحه الإجرائي في عقد الاجتماعات لا يخفي فشله السياسي المدوي بتجاهل ممثلي الشعب الفلسطيني. وما يُعلن عنه من أهداف لإعادة الإعمار إنما يخفي أجندة أكثر سواداً ضد الشعب الفلسطيني، تتمثل في خلق واقع إداري جديد يكرس الانفصال وتقطيع الأرض الفلسطينية، ويمهد الطريق لإنهاء المشروع الوطني، ويفتح الطريق أمام تهجير ممنهج لإفراغ غزة من أهلها تحت غطاء "التهجير الطوعي".
كلمة أخيرة: إن السلام العادل لا يُصنع في قاعات مغلقة بصلاحيات مطلقة لرئيس دولة معينة، ولا يُبنى على أنقاض حقوق شعب بأكمله. غزة ليست قطعة أرض خربة تحتاج إلى "مطور عقاري"، بل هي وطن لشعب له حق تقرير مصيره، وهذا الحق لا يمكن لأي مجلس سلام أن يمنحه أو يصادره. الفلسطينيون، بعودتهم إلى ديارهم المدمرة وتشبثهم بأرضهم، يقدمون يومياً أعظم رد على هذه المخططات، مؤكدين أنهم باقون، وأن النكبة لن تمر.
