جميل السلحوت
عرفت الأديب زياد خدّاش مدرّسا ومبدعا متميّزا منذ بداياته، كتب القصّة القصيرة والرّواية والمقالة، فهو لا يكرّر غيره، وأثناء عمله في التّدريس عامل تلاميذه بطريقة حضاريّة، لم يسبقه إليها سابقوه، ولم يستعملها معاصروه من المدرّسين، استغربها كثيرون وأدهشت كثيرين أيضا، وقد حظي بحبّ تلاميذه الّذين بادلهم حبّا بحبّ، فقد كان مدرّسا نموذجيّا ومختلفا عن أقرانه الآخرين، وقد تميّز زياد خدّاش في كتابة القصّة من بداياته، فلفت انتباه من يكبرونه عمرا من زملائه الكتّاب بأسلوبه الأدبيّ المتميّز، وبالمضامين القصصيّة الّتي تمرّد فيها على الجميع، واللافت في الأديب خداش أنّه شخصيّة اجتماعيّة مرحة، وهذا نتاج ثقافته الواسعة الّتي عكست حياة وهموم شعبه، وتبلغ إنسانيّته مداها عندما يتعامل مع إنسان بائس كأن يكون ذا إعاقة معيّنة، أو مع متسوّل ضاقت به سبل العيش الكريم، فيكتب عن هذه الفئات المسحوقة والبائسة والمهمّشة ويقدّمها إلى المتلقّي بلغته الأدبيّة البليغة الجميلة داعيا بين السّطور إلى انصافهم.
ليلة أمس شاهدت" يوتيوب" يتحدّث فيه زياد عن طفولته البائسة، حيث ولد في أسرة لاجئة فقيرة في مخيّم الجلزون شمال مدينة رام الله، فيتحدّث الأديب خدّاش وتعلو وجهه ابتسامة عذبة، وبأريحيّة تامّة كيف كان أقرانه في المدرسة يتنمّرون عليه، ولم يكن قادرا على الدّفاع عن نفسه، فوجد ضالّته في الكتابة، ورأى الكتابة هي طريقه التّي اختطّها في الدّفاع عن نفسه أمام المتنمّرين عليه. شاهدت" اليوتيوب أو الفيديو" الّذي لا تتجاوز مدّته الدّقيقتين، ووقفت بإعجاب أمام هذا المبدع الّذي تكلّم بانسياب وبابتسامة وبعفويّة عن هذه المرحلة البائسة في طفولته، والّتي تكلّم عنها وكأنّه معجب بها، وهذا دلالة على قوّة شخصيّته وعلى صدقه في الحديث عن طفولته، وما ورد في هذا" الفيديو" ينبئنا عن موهبة خدّاش الأدبيّة المبكرّة، وهذا "الفيديو" يلفت انتباه من يشاهده دون قصد من خدّاش، أنّنا أمام إنسان قدوة تغلّب على من تنمّروا عليه بهروبه إلى الكتابة، وواصل تعليمه المدرسيّ والجامعيّ وعمل في التّدريس وفي غيره وأصبح مبدعا يُشار إليه بالبنان، وترفع أمامه القبّعات، في حين أنّ من تعرّضوا للتّنمّر في طفولتهم، في غالبيّتهم هربوا من المدارس؛ ليحموا أنفسهم، وجزء منهم عاش حياته فاشلا. ومع أنّ خدّاش تحدّث بعفويّة إلّا أن هذا الفيديو يبعث رسائل ترويّة وتعليميّة واجتماعيّة، وتؤكّد من جديد أنّنا أمام مربّ ومبدع غزير الثّقافة ويؤكّد أنّه قدوة تُقتدى.
9-3-2026
