غزة/ إسلام الأسطل
لم يكن صباح ذلك اليوم من تموز/يوليو 2025م يومًا عاديًا في حياة الطفل إبراهيم قويدر. لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تغيّر مسار طفولته كاملة، ففي غضون ثوانٍ قليلة تحوّلت حياة الصبي الذي كان يركض خلف كرة القدم ويملأ المكان حركةً وضجيجًا، إلى رحلة طويلة من الألم والانتظار.
في ساحة مستشفى ناصر، جنوبي قطاع غزة، أصابت رصاصة طائشة ظهر إبراهيم، واستقرّت في الفقرة السادسة من عموده الفقري، لتخلّف إصابة معقّدة ما تزال آثارها تلاحقه حتى اليوم.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الحياة كما كانت، ولم يعد الجسد الصغير قادرًا على حمل طفولته كما ينبغي.
تقول والدته لـ"نوى": "كان إبراهيم حينها طالبًا في الصف الثامن، طفلًا نشيطًا يحب الركض واللعب مع أصدقائه، تلك الرصاصة لم تُصِب جسده فقط، بل أصابت تفاصيل حياته كلّها، وأقعدته يصارع ألم الإصابة".
تستعيد الأم تلك اللحظة بمرارة، وكأنها تعيشها من جديد: "ليتها كانت إصابة عادية، الأطباء لم يتمكنوا من استخراج الرصاصة، وما زالت مستقرة في عموده الفقري، فأصبح غير قادر على تحريك أي عضو من جسده تقريبًا. بالكاد يستطيع تحريك يده".
لكن الإصابة لم تكن بداية الألم فحسب، بل كانت مدخلًا لسلسلة طويلة من المعاناة الصحية. فمع تدهور الأوضاع الإنسانية ونقص الغذاء والدواء، بدأت حالة إبراهيم الصحية تتفاقم تدريجيًا.
تقول والدته: "تدهورت حالته بسرعة، وبدأ يعاني من سوء تغذية شديد وانخفاض خطير في مستوى الدم".
تتوقف قليلًا قبل أن تواصل حديثها، وكأن الكلمات تثقل قلبها: "لم أكن أجد ما يكفي لإطعامه.. كان بحاجة إلى غذاء متوازن يساعد جسده على مقاومة الجراح والالتئام، لكننا كنا نعيش مجاعة طويلة، فعلت كل ما بوسعي، غير أن الرياح لم تأتِ بما نشتهي".
وتضيف بصوت مكسور: "ساءت حالته أكثر، وأُصيب بسوء تغذية حاد، بدأت التقرحات تنتشر في جسده بسرعة وفي أكثر من موضع، عميقة ومؤلمة، رغم أنني كنت أحرص على تقليب جسده باستمرار حتى لا تتفاقم".
حاولت العائلة توفير المضادات الحيوية والمراهم الخاصة بالتقرحات من خارج المستشفى، في ظل نقص حاد في الأدوية داخل القطاع الصحي، لكن ذلك لم يكن كافيًا لوقف التدهور، فقد ظهرت لدى إبراهيم لاحقًا صعوبات في التنفس، إلى جانب استمرار سوء التغذية ونقص الحديد.
تقول الأم: "بعد فترة طويلة من المعاناة، تم تحويل إبراهيم إلى مستشفى الهلال للتأهيل. هناك تحسّنت حالته نسبيًا، لكنه ما زال بحاجة إلى برنامج علاج وتأهيل طويل الأمد".
غير أن القلق لا يفارقها، فإقامة إبراهيم في قسم التأهيل توشك على الانتهاء خلال أيام قليلة، وهو ما يفتح باب مخاوف جديدة أمام العائلة.
وتزيد: "لا أعرف ماذا سيحدث بعد خروجه من المستشفى"، شارحةً واقعهم الصعب بالقول: "نحن نازحون ونعيش داخل صف مدرسي يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، المكان بلا نوافذ، ومغطى بقطع من النايلون، شديد البرودة في الشتاء، وقاسي الحرارة في الصيف. لا أعرف كيف سيكون حال إبراهيم عندما يعود إلى فراش مهترئ وواقع أشد قسوة".
ولا تتوقف المعاناة عند حدود المكان، فتنقّل العائلة المستمر لتغيير جروح إبراهيم يضيف عبئًا آخر إلى حياتهم اليومية.
تضيف والدته: "نضطر إلى نقله باستمرار إلى مستشفى الهلال أو إلى جمعية أطباء بلا حدود من أجل تغيير الجروح، وغالبًا ما نحمله على كرسي متحرك ونسير به على الأقدام".
وتتابع: "الطرق مدمّرة وغير مهيأة، نمشي بين الركام والطرقات الوعرة لمسافات طويلة، وكل خطوة تزيد من آلام ظهره، وتترك أثرًا قاسيًا على حالته الصحية والنفسية".
وتستعيد موقفًا لا تزال تفاصيله عالقة في ذاكرتها: "لا أستطيع أن أنسى اليوم الذي نقلناه فيه من مكان نزوحنا في الحي الياباني إلى مقر أطباء بلا حدود، بينما المطر كان ينهمر بغزارة.. كان الأمر قاسيًا ومؤلمًا، لكن لم يكن أمامنا خيار آخر، فالمواصلات نادرة، وإن وُجدت فهي غير مناسبة لحالته، وسيارات الأجرة باهظة الثمن".

وسط هذه الرحلة الشاقة، تتمنى أم إبراهيم أن تتمكن المؤسسات الطبية من توفير ممرض ميداني يتولى تغيير الجروح لابنها، أو أن يتمكنوا على الأقل من التنقل عبر سيارات الإسعاف لتخفيف هذا العبء اليومي الذي يضاعف معاناته.
وبحسب الأطباء، يعاني إبراهيم من إصابة شديدة في الحبل الشوكي، ومع ذلك، تتمسك الأم بخيط رفيع من الأمل. تقول: "آمل أن يكون الحبل الشوكي سليمًا، وأن تكون هناك فرصة لتحسن حالته إذا أُزيلت الرصاصة".
وتوضح أن حالته ما تزال بحاجة إلى فحوصات دقيقة: "هو بحاجة إلى تصوير بالرنين المغناطيسي للعمود الفقري لتقييم إصابته بدقة، لكن هذا الفحص غير متوفر حاليًا في قطاع غزة. كما يحتاج إلى تقييم جراحي متخصص لمعرفة إمكانية إزالة الرصاصة من ظهره، إضافة إلى برنامج تأهيل طبي طويل الأمد".
ثم تختم حديثها بكلمات تختصر كل ما تحمله من خوف وأمل في آنٍ واحد: "كل ما أتمناه اليوم فرصة حقيقية لنقل إبراهيم للعلاج خارج غزة، هو أصغر أبنائي، وأتمنى أن يتعافى ويعود ليعيش مثل بقية الأطفال، كل ما يحتاجه هو فرصة للعلاج والعودة إلى الحياة".
