أشعلت العملية العسكرية الأخيرة في إيران، التي حملت اسم «الغضب الملحمي»، نقاشاً واسعاً حول الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في إدارة الحروب، بعدما أسفر قصف استهدف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب عن مقتل 110 أطفال وعشرات المدنيين، في حادثة أثارت تساؤلات حادة حول مدى اعتماد الجيوش على الأنظمة الآلية في اتخاذ قرارات القصف.
وبحسب ما أوردته صحيفة «التايمز»، فإن العملية تمثل واحدة من أكثر المواجهات العسكرية اعتماداً على التقنيات الذكية في تاريخ الحروب الحديثة.
خلال الساعات الـ24 الأولى من الهجوم، نفذت القوات الأميركية ضربات على أكثر من 1000 هدف، باستخدام أنظمة متقدمة لتحليل البيانات وتحديد المواقع، بمعدل يقارب 42 هدفاً في الساعة، وهو رقم يراه خبراء دليلاً على أن سرعة العمليات تجاوزت قدرة الإنسان على التقييم الدقيق، ما يثير احتمال أن تكون الخوارزميات قد لعبت دوراً أساسياً في اختيار الأهداف.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن الضربة التي أصابت مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائية جاءت ضمن استهداف مجمع مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، إلا أن المدرسة كانت مفصولة عن الموقع العسكري بسور منذ نحو تسع سنوات، وتظهر صور الأقمار الاصطناعية وجود ساحة ألعاب ورسومات للأطفال، ما يعزز فرضية أن نظام الاستهداف ربما اعتمد على معلومات قديمة أو غير محدثة.
وترى الباحثة نواه سيلفيا من المعهد الملكي للخدمات المتحدة أن الحادثة تطرح سؤالاً حاسماً:
هل كان الخطأ نتيجة تقدير بشري، أم بسبب الاعتماد المفرط على أنظمة تعمل بسرعة تفوق قدرة الإنسان على المراجعة؟
وأضافت أن حجم الضربات المنفذة في وقت قصير يوحي بأن اختيار الأهداف يتم بدرجة عالية من الأتمتة، حتى وإن بقي القرار النهائي بيد البشر.
من جانبه، قال الدكتور كريغ جونز، المتخصص في الجغرافيا السياسية بجامعة نيوكاسل، إن أنظمة التحليل الذكي قد تفشل أحياناً في التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، خصوصاً عندما تعتمد على قواعد بيانات ضخمة يتم تحديثها بشكل غير منتظم.
وأشار إلى أن أي قرار بشري بالقصف غالباً ما يكون مبنياً على تقارير ومخرجات أنتجها الذكاء الاصطناعي، ما يجعل الفصل بين القرار البشري والآلي أمراً معقداً.
مصادر في وزارة الدفاع الأميركية أكدت أن التحقيق ما زال جارياً لمعرفة ما إذا كانت المعلومات المستخدمة في تحديد الهدف قديمة أو غير دقيقة، في حين ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى احتمال وجود تضليل في البيانات، دون تقديم أدلة، بينما تشير التحليلات العسكرية إلى أن الأسلحة المستخدمة في الضربة أميركية الصنع.
وتعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل منذ سنوات على أنظمة ذكاء اصطناعي في إدارة العمليات العسكرية، من بينها مشروع «مافن» الذي أطلق عام 2018 لتحليل الصور والبيانات وتحديد الأهداف، بالتعاون مع شركات تكنولوجية متخصصة، ويُستخدم حالياً في مراكز القيادة الأميركية لتسريع اتخاذ القرار في ساحات القتال.
ويشبه بعض الخبراء هذه الأنظمة بنموذج عسكري لتطبيقات النقل الذكية، حيث تقترح الخوارزميات الأهداف والمسارات، بينما يقتصر دور الإنسان على الموافقة النهائية، إلا أن السرعة الكبيرة في توليد آلاف التوصيات يومياً قد تدفع القادة إلى الاعتماد على قرارات الآلة دون تدقيق كافٍ، وهو ما يُعرف بـ"تحيز الأتمتة" أو الميل إلى تنفيذ ما تقترحه الأنظمة الرقمية.
وتحذر أوساط أكاديمية من أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى مرحلة تصبح فيها الأنظمة قادرة على تحديد التهديدات مسبقاً واقتراح ضربات استباقية، ما يرفع احتمال اندلاع صراعات أسرع وأكثر خطورة.
وترى أستاذة النظرية السياسية إلكه شوارتز أن إدخال الذكاء الاصطناعي في قرار استخدام القوة يمثل تحولاً تاريخياً في طبيعة الحروب، وقد يجعل بدء القتال أسهل وأسرع من أي وقت مضى، وهو تطور تصفه بأنه "مقلق للغاية" في ظل غياب قواعد دولية واضحة تحكم هذه التكنولوجيا.
