بقلم: د. منى ابو حمدية
أكاديمية وباحثة
في العشر الأواخر من شهر رمضان، حين تمتلئ الليالي بخشوع العابدين وتتهيأ الأرواح لاعتكافها في حضرة السكينة، يقف المسجد الأقصى هذا العام خلف أبوابٍ مغلقة، كأن المدينة كلها تُختبر بوجعٍ جديد.
لأول مرة في رمضان، يُمنع الاعتكاف في رحاب المسجد الأقصى.
ولأول مرة تصبح الجمعة اليتيمة موعداً للغياب بدل اللقاء، وموعداً للحرمان بدل الامتلاء.
كان الأقصى عبر القرون بيتاً مفتوحاً للصلاة، تتسع ساحاته لخطوات المؤمنين القادمين من كل دروب القدس وخارجها. أما اليوم، فقد تحوّلت الطرق المؤدية إليه إلى حواجز، وتحولت المدينة العتيقة إلى مساحةٍ محاصرة، فيما بدا المشهد في البلدة القديمة أقرب إلى مدينةٍ غادرها الناس قسراً. شوارع صامتة، أبواب مغلقة، وحضور ثقيل للحصار الذي فرضه الاحتلال منذ اكثر من أربعة عشر يوماً، مانعاً الأهالي من الوصول إلى قلب مدينتهم.
لكن الصلاة لم تتوقف !
في حي رأس العامود ببلدة سلوان، امتدت صفوف المصلين على الشوارع بدل باحات الأقصى. الأرض الإسفلتية تحولت إلى محرابٍ واسع، والسماء كانت سقف المسجد الذي أُغلق بابه. هناك أدّى المصلون صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان، بينما كانت قلوبهم تتجه نحو القبلة ذاتها التي يحجبها المنع.
وعند باب الساهرة، وقف المقدسيون يصلّون العشاء والتراويح خارج أسوار القدس، كأن المدينة نفسها خرجت لتصلي في العراء. كانت تلك المشاهد تقول شيئاً واحداً: إن العلاقة بين الإنسان ومقدسه لا تقطعها الجدران.
غير أن المشهد الأكثر قسوة يكمن في التناقض الصارخ الذي يفرضه الاحتلال؛ إذ يسمح بالصلاة في منطقة الراشدية، بينما يمنعها داخل نحو 144 دونماً من مساحة المسجد الأقصى المبارك. تناقض لا يمكن تفسيره إلا بوصفه إغلاقا متعمّدا، وسياسة جديدة يسعى الاحتلال إلى فرضها على الرحاب المباركة، في محاولة لإعادة تشكيل الواقع القائم في المكان.
إن مرارة الحرمان من زيارة الأقصى ليست مجرد حزنٍ عابر، بل اعتداء سافر على حق أساسي من حقوق الإنسان في العبادة. فالمسجد الأقصى ليس مجرد معلمٍ ديني، بل هو ذاكرة روحية وتاريخية وحضارية، تعيش في وجدان الأمة منذ قرون.
ولهذا فإن ما يجري اليوم في القدس يفرض على العالم أن يسمع صوت المدينة المحاصرة.
فالقدس المحتلة ليست فراغاً قانونياً، والمقدسات فيها محمية بموجب القوانين والمواثيق الدولية التي تضمن حرية العبادة وصون الأماكن الدينية. والقيود التي يفرضها الاحتلال تتعارض بشكل واضح مع الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى، الذي كفل عبر العصور حق المصلين في الوصول إليه دون منع أو تضييق.
ومن هنا، تتصاعد المطالب الموجهة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والدينية:
أن تتحمل مسؤوليتها في حماية المقدسات الدينية من الانتهاكات.
وأن تُلزم إسرائيل بوقف الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى.
وأن تتخذ موقفاً حازماً يحفظ حرية العبادة وكرامة المكان والإنسان.
فالاحتلال لا يملك سيادة على القدس المحتلة، ولا يملك الحق في تغيير معالمها الروحية أو فرض واقع جديد على مقدساتها.
إن أولى الخطوات المطلوبة اليوم هي فتح أبواب المسجد الأقصى فورا أمام المصلين، ووقف كل السياسات التي تحوّل العبادة إلى فعلٍ محفوف بالحواجز والقيود.
ومع ذلك، تبقى الصورة التي رسمها المقدسيون في شوارع سلوان، وعند أبواب القدس، أكثر بلاغة من كل القرارات.
فحين يُغلق المسجد، تتحول الطرق إلى مساجد. وحين تُحاصر المدينة، يتسع الإيمان حتى يملأ الشوارع.
لقد أراد الاحتلال أن يجعل القدس مدينة صامتة، لكنه لم يستطع أن يمنع صوت الصلاة من الارتفاع.
فالجمعة اليتيمة هذا العام لم تُصلَّ في الأقصى، لكنها صُلِّيت من أجله.
