بقلم: موسى الصفدي
ليلة قرر الملك العزيز عثمان هدم الأهرامات عام 592هـ، ظنّ أن التاريخ يمكن اقتلاعه بمعاول السلطة. حشد قوته وماله ليهدم هرم "منكاورع"، لكن ثمانية أشهر من الجهد المضني لم تُنتج سوى جرحٍ في الحجر وعجزٍ في الإرادة. اكتشف حينها أن هدم ما بُني بعقل وتراكم حضاري يكاد يفوق كلفة بنائه؛ فانسحب خائباً، تاركاً وراءه درساً سياسياً قاسياً: العبث بالمنجزات الكبرى لا يصنع مجداً، بل يكشف حدود القوة حين تصطدم بصلابة التاريخ. هذه القصة، في بعدها الرمزي، تتجاوز سياقها الزماني لتقدم نموذجاً لما يحدث حين تُدار القضايا المصيرية بعقلية المغامرة لا بعقلية التراكم. فالهدم ليس فعلاً بسيطاً كما يتوهم البعض، بل هو فعلٌ باهظ الكلفة حين يستهدف بُنىً راسخة تشكلت عبر عقود من الكفاح السياسي والدبلوماسي. في الحالة الفلسطينية، يتجلى هذا المشهد بوضوح؛ فقد شيدت منظمة التحرير الفلسطينية، عبر مسيرة نضالية طويلة ومعمدة بالتضحيات، حضوراً سياسياً ودولياً وازناً، ورسّخت الاعتراف بالهوية والقضية كحق غير قابل للتصرف لشعب يسعى لتقرير مصيره. هذا التراكم لم يكن وليد صدفة، بل نتاج نضال وطني مؤسساتي وحرص دائم على صون القرار الوطني المستقل. غير أن ما شهدناه في قطاع غزة من نهج "المواجهة غير المحسوبة" الذي تتبنته حركة حماس، يعيد إلى الأذهان تلك اللحظة التاريخية التي ظن فيها واهمٌ أن بإمكانه هدم "الهرم الوطني" واستبداله بقرار عابر. لقد تم التعاطي مع الواقع المعقد وكأنه قابل للكسر السريع، وجرى القفز فوق موازين القوى الدولية والإقليمية بـ "مقامرة" لم تضع في اعتبارها حماية المنجز الوطني أو صون دماء الشعب. إن النتيجة، كما في واقعة الهرم، لم تكن تحقيق الأهداف المعلنة أو التحرير المنشود، بل إحداث تشويه ونزيف حاد في البنية القائمة. فبدلاً من البناء على ما حققته الشرعية الفلسطينية، ذهبت هذه المغامرات نحو استنزاف بشري هائل، ودمار شامل، وتراجع في المكتسبات السياسية التي بُنيت بالصبر والتراكم. لم يُقدّم هذا النهج بديلاً واقعياً قادراً على الصمود، بل عرّض المشروع الوطني للتآكل والتشويه أمام الرأي العام الدولي. إن أخطر ما في هذه المقاربات ليس فشلها الميداني فحسب، بل قدرتها على تقويض المكتسبات التاريخية دون امتلاك رؤية بديلة. تماماً كما عجز الملك عن هدم الهرم لكنه ترك "ندبة" في جسده، فإن السياسات المندفعة قد لا تنجح في تغيير الواقع لمصلحة الشعب، لكنها تنجح يقيناً في إضعاف عناصر القوة الذاتية للمشروع الوطني. ان القضايا الكبرى لا تُدار بمنطق المقامرة ، بل بمنطق التراكم النضالي الواعي. إن الهدم، مهما بدا سهلاً في لحظة الحماسة العاطفية، يتحول إلى عبء تاريخي حين يصطدم بحقائق الجغرافيا والسياسة. وفي ميزان النضال، يظل البناء المؤسساتي الملتزم بالوحدة والشرعية هو الطريق الوحيد لصناعة إنجازٍ دائم، أما من يخطئ قراءة الواقع، فقد لا يهدم خصمه، لكنه حتماً سيخسر ما بناه شعبه بدمائه وعرقه عبر السنين.
