التجربة العسكرية الفلسطينية المعاصرة

التجربة العسكرية الفلسطينية المعاصرة: التدريب في أفق الصمود والإنسان صاحب القضية
(قراءة في ضوء إدوارد سعيد وأنطونيو غرامشي وياسر عرفات)
محمد قاروط أبو رحمه 
قوات العاصفة انموذج
لا يمكن النظر إلى التجربة العسكرية الفلسطينية المعاصرة بوصفها ممارسة تقنية معزولة، أو استجابة أمنية ظرفية، بل بوصفها جزءًا من صراع طويل على المعنى، وعلى صورة الإنسان، وعلى حقه في أن يبقى ذاتًا أخلاقية وهو يواجه عنفًا بنيويًا مستمرًا. في هذا السياق، لا يكون التدريب العسكري مجرد إعداد للجسد، بل اختبارًا دائمًا لحدود الإنسانية، وسؤالًا مفتوحًا حول كيفية الصمود دون الوقوع في فخ التشوّه الداخلي.

من هذا المنطلق، لا يعود السؤال المركزي: كيف نُدرّب الإنسان؟
بل: كيف نحمي الإنسان صاحب القضية من أن يفقد نفسه وهو يدافع عنها؟

يرى إدوارد سعيد أن أخطر أشكال الهيمنة ليست السيطرة المادية وحدها، بل السيطرة على السردية: من يملك حق التعريف، وحق التسمية، وحق اختزال الآخر. لذلك، تصبح المقاومة في جوهرها فعلًا معرفيًا وأخلاقيًا، قبل أن تكون فعلًا عسكريًا. الصمود، في هذا الأفق، هو الإصرار على البقاء إنسانًا كاملًا، معقّدًا، غير قابل للاختزال في صورة نمطية، حتى في أكثر الظروف قسوة.

في التجربة العسكرية الفلسطينية، ينعكس هذا الوعي في تدريب لا يسعى إلى إنتاج مقاتل منزوع الذات، بل إنسان واعٍ لسرديته، مدرك لخطورة أن يتحوّل إلى مجرد أداة عنف أو ردّ فعل دائم. فالتدريب، هنا، ليس فقط إعدادًا للمواجهة، بل حراسة للغة الأخلاق التي تمنح الفعل المقاوم معناه، وتحول دون انزلاقه إلى نقيضه.

أما أنطونيو غرامشي، فيقدّم مفتاحًا حاسمًا لفهم الانضباط داخل هذه التجربة. فالهيمنة، في تصوره، لا تعمل بالقوة المباشرة وحدها، بل عبر إنتاج الطاعة من الداخل، وتحويلها إلى أمر يبدو طبيعيًا وبديهيًا. من هنا، يصبح الانضباط ساحة صراع أخلاقية: إما أن يكون استبطانًا للقهر، أو أن يتحوّل إلى تنظيم واعٍ للإرادة حول مشروع تحرّري.

في السياق الفلسطيني، يُعاد تعريف الانضباط العسكري ليكون اختيارًا واعيًا لا طاعة عمياء. انضباط لا يُلغي الفرد، بل ينسّق طاقته مع الجماعة دون أن يسحق وعيه. طاعة لا تعني تعطيل السؤال، بل تأطيره داخل معنى أوسع. وبهذا، يتحوّل التدريب إلى ممارسة مقاومة للهيمنة حتى في بنيته الداخلية، لا إعادة إنتاج لها.

ويأتي ياسر عرفات ليجسّد البعد العملي لهذه الرؤية المركّبة. لم يكن الصمود لديه شعارًا تعبويًا، بل أسلوب حياة وقرار استمرار في زمن طويل من الاستنزاف. في تجربته القيادية، لم تُختزل القضية في السلاح، ولم يُختزل الإنسان في دوره القتالي. كان الصمود يعني الحفاظ على الحضور، وعلى الهوية، وعلى القدرة على الاستمرار دون فقدان البوصلة الأخلاقية، رغم العزلة والتناقضات والضغوط الهائلة.

عرفات قدّم نموذجًا للصمود بوصفه إدارة واعية للزمن، لا بطولة لحظة. فالإنسان، في نظره، ليس وقودًا للقضية، بل جوهرها. والتدريب، ضمن هذا المنطق، لا يُقاس بقدرته على إنتاج جاهزية فورية فقط، بل بقدرته على إنتاج إنسان قادر على العيش داخل الصراع دون أن يتحوّل إلى حطام داخلي.

قوات العاصفة: نموذج تطبيقي لفلسفة الصمود

تُقدَّم تجربة قوات العاصفة بوصفها أحد النماذج المبكرة التي سعت إلى ترجمة الصمود من فكرة معنوية إلى بنية تدريبية ووجودية. لم يكن التدريب في هذه التجربة محصورًا في إعداد المقاتل للمواجهة، بل في إعادة تشكيل علاقته بذاته، وبالقضية، وبالزمن الطويل للصراع.

ما ميّز هذا النموذج هو وعيه المبكر بخطر التشييء؛ أي تحوّل الإنسان إلى وظيفة قتالية صرفة. لذلك، لم يُفهم الانضباط كقسرٍ ميكانيكي، بل كعملية تهذيب للإرادة، تُوازن بين القسوة الضرورية وحماية الداخل من التآكل. كان المطلوب مقاتلًا قادرًا على الاحتمال، دون أن يُجرَّد من إنسانيته أو يُفصل عن المعنى الذي يقاتل من أجله.

في هذا السياق، يمكن قراءة قوات العاصفة كنموذج تطبيقي لما تحدّث عنه غرامشي نظريًا حول الانضباط الواعي، وما أشار إليه إدوارد سعيد أخلاقيًا حول رفض الاختزال، وما جسّده ياسر عرفات عمليًا في إدارة الصمود. فالتدريب لم يكن إعدادًا للحظة اشتباك فقط، بل بناءً لإنسان قادر على العودة من المواجهة دون أن يفقد اتّساقه الداخلي.

هكذا، تمثّل قوات العاصفة مثالًا على محاولة مبكرة لربط الفعل العسكري بفلسفة الصمود، حيث تُقاس القوة لا فقط بفعاليتها، بل بقدرتها على حماية الإنسان صاحب القضية من التحوّل إلى نقيض ما يقاتل لأجله.

في ضوء سعيد وغرامشي وياسر عرفات، تتشكّل ملامح الإنسان صاحب القضية: إنسان يملك سرديته، ووعيه، وقراره بالاستمرار. إنسان يرى في الانضباط أخلاقًا، وفي الصمود موقفًا، وفي القوة أداةً محكومة بالمعنى لا بديلًا عنه.

هكذا، لا يعود التدريب العسكري الفلسطيني مجرد تحضير للمواجهة، بل فعل حراسة للإنسان في قلب الصراع. فالقضية التي تنتصر خارجيًا وتُهزم داخليًا ليست انتصارًا، والصمود الذي يفقد الإنسان إنسانيته يتحوّل إلى شكل آخر من الخسارة.

الصمود الحقيقي، إذن، ليس أن نبقى فقط،
بل أن نبقى دون أن نصبح ما نُقاومه.

البوابة 24