في تصريح سابق، أقرّ وزير المالية د. اسطيفان سلامة بأن خيارات تعزيز الإيرادات وصلت إلى طريق مسدود، في ظل ضغوط متزايدة لتأمين الرواتب والخدمات الأساسية، واصفاً ذلك بـ"انتهاء حلول الأرض".
وبحسب وزير المالية، تستحوذ هذه الفاتورة على نحو 73% من إجمالي الموازنة، أي ما يقارب 13 مليار شيقل سنوياً من أصل نحو 18 مليار شيقل حجم النفقات العامة، فيما يؤكد مطلعون أن النسبة الفعلية قد تتجاوز 80%، نظراً لاستخدام بعض المخصصات التشغيلية لتغطية أجور موظفي العقود بشكل غير مباشر.
على مستوى الأرقام، يُقدّر عدد العاملين بنحو 172 ألف موظف، موزعين بين 120 ألفاً في القطاع العام و52 ألفاً في القطاع العسكري، في حين يرتفع عدد المستفيدين إلى قرابة 292 ألف شخص عند احتساب نحو 62 ألف متقاعد، إضافة إلى 56 ألف مستفيد من أشباه الرواتب، والتي تشمل مخصصات لذوي الأسرى وأهالي الشهداء والأسر الفقيرة، إلى جانب برامج دعم اجتماعي متعددة.
في المقابل، يحذّر مراقبون وخبراء من أن تضخم فاتورة الرواتب وأشباه الرواتب بات يشكل عبئاً ثقيلاً على المالية العامة للسلطة الفلسطينية، التي تواجه صعوبات متزايدة في الإيفاء بالتزاماتها الشهرية، لا سيما في ظل استمرار احتجاز الاحتلال الإسرائيلي لأموال المقاصة منذ ما يقارب العام، وهي الإيرادات التي تمثل نحو 68% من إجمالي مواردها.
أمام هذا الواقع، يتجدد التساؤل حول أسباب عدم لجوء الحكومة إلى إعادة هيكلة جهازها الإداري وترشيقه. وترد الحكومة بأن الوضع الحالي هو نتاج تراكمات سابقة، سواء من حيث أعداد الموظفين أو حجم فاتورة الأجور، مشيرة إلى أنها اتخذت خطوات للحد من التوسع الوظيفي عبر وقف التعيينات والتوجه نحو "صفر تعيين". وقد أسهم هذا التوجه في خفض فاتورة الأجور خلال عام 2025 بنحو 120 مليون شيقل، غير أن التساؤلات تبقى قائمة حول مدى كفاية هذه الإجراءات لوقف النزيف المالي وتفادي تفاقم الأزمة.
يقول أيهم أبوغوش الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي: "أية إجراءات تقود إلى خفض النفقات تعتبر جيدة، لكن الاكتفاء بعدم التوظيف وحده لن يحل المشكلة، فالمطلوب إعادة النظر في قانون الخدمة المدنية وقانون قوى الأمن أو تجميدهما خلال الفترة الحالية، والذهاب إلى رواتب بموجب حالة طوارئ، تأخذ في الاعتبار الحد الأعلى كما الحد الأدنى وتخفيض الفاتورة الشهرية من مليار وخمسين مليون شيقل شهريا، إلى قرابة 600-700 مليون شيقل كحد أقصى"، منوهاً إلى ضرورة أن تجري الحكومة خلال فترة محددة دراسة احتياجات السلطة الوطنية الوظيفية وترشيق الجهاز الإداري ووقف التضخم من خلال خطة تأخذ في الاعتبار تخفيض تدريجي لفاتورة الرواتب، مشيراً إلى أن إحالة فئات وظيفية إلى التقاعد لم يعد مجدياً في هذه الفترة لأن ذلك يتطلب التزامات مالية من صندوق التقاعد والحكومة لن يستطيعا الإيفاء بها في ظل الأزمة المالية التي تهدد وجود السلطة الوطنية.
ويعتقد أبوغوش أن السياسات المالية عبر السنوات الماضية كانت خاطئة سواء عبر التوظيف غير المدروس أو من حيث فتح الباب أمام توافقات مع النقابات لزيادة العلاوات أو سواء من حيث قوانين تفتح المجال أمام إعطاء درجات وظيفية ليست مبنية على مربعات إدارية مغلقة في الهيكليات الإدارية سواء في الجهاز المدني أو العسكري، الأمر الذي تسبب بتضخم فاتورة الرواتب عبر السنوات.
ويشير أبوغوش إلى أن تضخم فاتورة الرواتب كان أحد الأسباب الرئيسية التي قادت إلى عمق الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الوطنية في هذه المرحلة، منوهاً إلى أنه صحيح أن المشكلة حالياً تتعلق بحجم الإيرادات واحتجاز أموال المقاصة بالكامل منذ نحو عام، وأن الخصومات الإسرائيلية بعد أحداث السابع من اكتوبر 2023 أدت إلى نزيف كبير في حجم الإيرادات، ولكن من ناحية ثانية هناك جانب يتعلق بحجم النفقات، بدليل أن موظفي القطاع العام لم يتقاضوا رواتب كاملة منذ تشرين الثاني 2021، رغم أن أموال المقاصة كانت تتدفق، مع خصومات إسرائيلية تتعلق بمخصصات الأسرى والأسرى المحررين وأهالي الشهداء والجرحى.
ويضيف: "حجم المقاصة المحتجزة تصل إلى قرابة 16-17 مليار شيقل، بينما حجم المديونية العامة يبلغ نحو 48 مليار شيقل منها 7.9 مليار شيقل مستحقات متأخرة للموظفين، ما يعني أن الأزمة المالية لها شقان، الأول يتعلق بالإيرادات وهذا يتمثل باحتجاز الاحتلال لأموال المقاصة والتي تحرم السلطة الوطنية من ثلثي إيراداتها، والثاني يتعلق بالنفقات وتحديداً فاتورة الأجور، فلو تم الإفراج عن أموال المقاصة فإنّ حدة الأزمة ستتراجع، لكنها لن تُحل، لأن حجم النفقات يفوق حجم الإيرادات حتى مع تحويل أموال المقاصة".
ويتابع: "المطلوب أولاً الإفراج عن الأموال المحتجزة لأنه دون ذلك فإن وجود السلطة الوطنية مهدد بشكل وجودي، ولكن في غضون ذلك لا بدّ من عملية جراحية لتخفيض فاتورة الرواتب، وهذا يستدعي حالياً تجميد العمل بقانون الخدمة المدنية وقانون الخدمة في قوى الأمن، والذهاب إلى فاتورة رواتب طوارئ لمدة عامين أو ثلاثة أعوام، تأخذ بالاعتبار عدم المسّ برواتب الفئات الدنيا وتقليل التباينات والفجوات بين الفئات الوظيفية المختلفة"، مؤكداً ضرورة العمل على المديين المتوسط والطويل لترشيق الجهاز الإداري للسلطة الوطنية من خلال تقديم حزم عروضات للتقاعد المبكر، ولكن بعد إيجاد التمويل اللازم بالاتفاق مع جهات مانحة.
من جهته، يقول مؤيد عفانة الخبير في شؤون المالية العامة "فيما يتعلق بتضخم فاتورة الرواتب والأجور في فلسطين، فإن الأمر يعود إلى خلل تاريخي مركّب، وتراكمي مارسته الحكومات السابقة وعلى مدار سنوات طويلة، ويعود إلى عوامل عدة منها: الإطار التشريعي الناظم للخدمة المدنية في فلسطين، وقانون الخدمة في قوى الأمن، وتعديلاتها، ومنها ما مهو مرتبط بالبنية المؤسساتية، والتوسع في إنشاء المؤسسات العامة، وخاصة المؤسسات الحكومية غير الوزارية، ومنها ما هو مرتبط بالهيكليات الإدارية والتوسع بها، ومنها ما هو مرتبط بالزمن والتقادم، والذي خلق إرثاً ثقيلاً من تراكم ترقيات وأقدميات للموظفين في القطاع الأمني والمدني على حد سواء".
وينوه إلى أنه بالرغم من توجه الحكومة الـ (18) والحكومة الحالية بوقف التوظيف أو سياسة (صفر صافي توظيف) ومن ثم سياسة (صفر توظيف) إلا أن الإرث الثقيل لفاتورة الرواتب والأجور ما زال يرهق كاهل الخزينة العامة، خاصة أن الرواتب هي حقوق لا تسقط بالتقادم، بل ارتباطها موجب مع الزمن، وتنتقل بعد التقاعد لتعمل على إثقال صندوق التقاعد والمعاشات.
ويوضح عفانة أن السبب الرئيس الذي رفع من فاتورة الرواتب والأجور في السنوات الأخيرة، على الرغم من قرارات تقنين التوظيف، فيعود إلى عاملين رئيسيين، العلاوات بسبب الاتفاقيات ما بين الحكومة والنقابات المختلفة، تبعاً لضغوط النقابات القوية، ما رفع علاوات بعض الفئات الوظيفية، سواء كانت علاوة طبيعة العمل أو طبيعة المخاطرة، أو علاوات مخصصة، الأمر الذي خلق إشكالية من جانبين: الأول بارتفاع فاتورة الرواتب والأجور، والثاني بخلق تشوه في بنية سلم الرواتب، ولا يحقق العدالة لباقي الفئات الوظيفية.
أما العامل الآخر فهو الترقيات الدورية والتلقائية للعاملين في قوى الأمن تبعا للقانون النافذ، مما خلق أيضا إشكالية من جانبين، الأول بارتفاع فاتورة الرواتب والأجور، والثاني بتخمة الرتب العليا، ما خلق تشوهاً في الشكل الهرمي التسلسلي للرتب العسكرية في فلسطين.
ويؤكد عفانة أنه من الناحية العملية توجد ضرورة لتعديل قانون الخدمة المدنية، بقانون جديد شامل، يعالج كافة التشوهات القائمة، ويحقق العدالة لكافة الموظفين، وضمن أسس علمية، الأمر الذي سيحقق عدالة في الرواتب، وسيضبط ارتفاعها، وكذا الأمر بالنسبة لقانون الخدمة في قوى الامن، وضمن مبادئ الحوكمة، والممارسات الفضلى في دول العالم، ومنها دول الجوار، كما توجد ضرورة لمعالجة قضايا تتعلق برواتب بعض الفئات التي لا تشارك في صندوق التقاعد والمعاشات، كونها ستشكل استنزافاً مستقبلياً للصندوق.
تظهر أرقاماً أطلعت عليها "صدى نيوز" أن هناك نحو 1.53 مليار شيقل زيادة في فاتورة الأجور خلال السنوات الست الأخيرة بصعود نسبته 22%، فقد بلغت الفاتورة في عام 2020 نحو 6.88 مليار شيقل، وفي عام 2021 نحو 7.79 مليار شيقل، وفي عام 2022 نحو 8.11 مليار شيقل، وفي عام 2023 نحو 8.35 مليار شيقل، وفي عام 2024 نحو 8.45 مليار شيقل، قبل أن تنخفض مع نهاية 2025 إلى نحو 8.41 مليار شيقل.
