بقلم: موسى الصفدي
لم يعد من الكافي قراءة سلوك السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب بوصفه مجرد "اندفاعات مزاجية" أو ردود أفعال ظرفية. بل تشير المعطيات المتراكمة إلى وجود نمط استراتيجي مهيكل يقوم على "هندسة التوتر"؛ أي صناعة بؤر تأزم وإبقائها في حالة غليان مستمر دون السماح لها بالوصول إلى مرحلة الانفجار الشامل. هذا النهج لا يسعى إلى "الحسم" التقليدي، بل يهدف إلى استثمار "المنطقة الرمادية" لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية بأقل التكاليف العسكرية. أولاً: فلسفة "المنطقة الرمادية" في العقيدة الترامبية تقوم هذه المقاربة على فرضية براغماتية ترى أن التوتر الدائم منخفض الحدة أكثر نفعاً من "الحرب المكلفة" أو "السلام المقيد". فالحروب الكبرى تستهلك الموارد وتستنزف الشرعية الدولية، بينما السلام الدائم قد يحد من قدرة واشنطن على استخدام أدوات الضغط والابتزاز السياسي. تجلت هذه الفلسفة عبر ثلاث ركائز أساسية: 1. الردع بالغموض: التصعيد الكلامي الحاد (عبر منصات التواصل) كبديل للصواريخ. 2. سلاح "الأزمات الاقتصادية": تحويل النظام المالي العالمي إلى ساحة معركة عبر العقوبات العابرة للحدود. 3. إدارة "توازن الضعف": إبقاء الخصوم والحلفاء على حد سواء في حالة احتياج دائم للتدخل الأمريكي لضبط الإيقاع. ثانياً: غزة والقضية الفلسطينية.. إعادة تعريف قواعد الاشتباك في الملف الفلسطيني، لم تكن إدارة ترامب معنية بـ "حل الدولتين" أو أي تسوية نهائية شاملة، بل ركزت على إعادة هندسة الصراع. من خلال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، تم تقويض أسس التفاوض التقليدية. النتيجة الاستراتيجية: تحولت غزة والضفة من ملفات تتطلب حلاً سياسياً إلى "أزمات إنسانية وأمنية" يتم التحكم في منسوب اشتعالها. الهدف: إبقاء حالة "اللاسلم واللاحرب" كأداة ضغط على الأطراف الإقليمية لدفعهم نحو مسارات بديلة (مثل الاتفاقيات الإبراهيمية)، مع الحفاظ على فتيل الأزمة جاهزاً للاستخدام عند الضرورة. ثالثاً: إيران.. "الضغط الأقصى" كبديل للمواجهة العسكرية تعد المواجهة مع طهران النموذج الأبرز لسياسة الأزمات المضبوطة. بالانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، لم يهدف ترامب إلى إسقاط النظام عسكرياً بقدر ما هدف إلى خنقه استراتيجياً. الأدلة:رغم استهداف ناقلات النفط وإسقاط طائرات مسيرة، بل وحتى بعد عملية اغتيال قاسم سليماني، حرصت الإدارة على عدم الانزلاق إلى غزو بري أو مواجهة مفتوحة. الغاية: تحويل إيران إلى "عدو محاصر" اقتصادياً، مما يقلص نفوذها الإقليمي دون أن تضطر واشنطن لتحمل كلفة الحرب، وفي الوقت ذاته، استثمار "البعبع الإيراني" لتعزيز صفقات السلاح مع الحلفاء في المنطقة. رابعاً: الساحات المفتوحة.. اليمن، لبنان، وفنزويلا يظهر نمط "إدارة الانهيار" بوضوح في ملفات أخرى: في اليمن: استمرت واشنطن في دعم التحالف مع إبقاء خطوط تواصل خلفية، مما ضمن استمرار الحرب دون حسم، وتحول الملف إلى ورقة تفاوضية معقدة. في لبنان: تم اتباع سياسة "الانهيار الممنهج"؛ ضغط اقتصادي حاد يضعف الأطراف الموالية لإيران، لكنه يتوقف بدقة قبل وصول الدولة إلى حالة "الفوضى الشاملة" التي قد تهدد أمن إسرائيل. في فنزويلا:تم الاعتراف بالمعارضة وفرض عقوبات خانقة على نظام مادورو، ليس لإسقاطه فوراً، بل لإبقائه في حالة شلل وظيفي يحوله إلى "عبرة" إقليمية وورقة ضغط في الحديقة الخلفية لأمريكا. خامساً: دوافع هندسة التوتر يمكن تلخيص المحركات الكامنة وراء هذا النهج في أربع نقاط: 1. عقيدة "أمريكا أولاً": تجنب "الحروب الأبدية" التي استنزفت التريليونات في العراق وأفغانستان. 2. الفعالية من حيث التكلفة: الأزمات المضبوطة تمنح واشنطن دور "المايسترو" الذي يوزع الأدوار دون أن يرسل جنوده إلى الميدان. 3. الاستثمار السياسي الداخلي: الظهور بمظهر القائد القوي الذي يواجه "الأشرار" عالمياً يغذي القاعدة الانتخابية دون المخاطرة بنعوش الجنود العائدين. 4. إعادة ضبط النظام الدولي: استخدام الفوضى كأداة لإضعاف الخصوم الصاعدين (مثل الصين وروسيا) من خلال إشغالهم في بؤر توتر إقليمية. سادساً: مخاطر "اللعب بالنار" رغم نجاح هذه الاستراتيجية في تحقيق مكاسب سريعة، إلا أنها تحمل في طياتها بذور فشلها: انفلات العيار: التوتر المصطنع قد يخرج عن السيطرة بسبب "خطأ في الحسابات" من أحد الأطراف، مما يؤدي لانفجار غير مرغوب. تآكل الثقة: تحول واشنطن من "ضامن للاستقرار" إلى "صانع للأزمات" يدفع الحلفاء للبحث عن بدائل دولية (مثل الصين). الفراغ الاستراتيجي: إبقاء الأزمات دون حل يمنح "الفاعلين من غير الدول" (الميليشيات والجماعات المتطرفة) بيئة خصبة للنمو. في نهاية الأمر إن ما يمارسه دونالد ترامب ليس مجرد "فوضى سياسية"، بل هو "فن الصفقة عبر هندسة الأزمة". إنها استراتيجية تحويل المشكلات الدولية من "أعباء يجب حلها" إلى "أصول يجب إدارتها واستثمارها". ومع ذلك، يبقى السؤال الوجودي قائماً: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في تسخين المحرك العالمي دون أن يحترق بالكامل؟ فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات "المضبوطة" غالباً ما تلد انفجارات غير محسوبة.
