بقلم: محمد قاروط أبو رحمه
لم أكن أعرفكِ يا نعمة حسن، ولم تجمعني بكِ معرفة سابقة، لكن كلماتكِ وصلتني كما يصل الضوء في العتمة، بلا استئذان، عبر مشاركة للأستاذة ميسون كحيل على صفحتها. وهكذا، دون موعد، وجدتُ نفسي أمام نصّكِ:
يمكنني أن أصبح فراشة
لأحلم بوردة
لم تفتح ذراعيها بعد،
ولكنها ستمطر اليوم.
تموت الفكرة باكرًا
في المواسم المهاجرة.
أو أن أصير عمود كهرباء
يصنع ضوءًا
لطفل خائف.
المقابر تنام باكرًا
لا تمرّ بحيّنا بعد
الساعة السادسة مساءً
أنا الآن حزمة حطب،
كلي ثقوب
ولا أُجيد الغناء.
من يعزف لي لحنًا
قبل أن تبدأ أمي
في إشعال الفرن
لصنع الخبز؟
وصلني نصّكِ وأنا لا أعرفكِ، لكنني شعرتُ أنني أعرف هذا الصوت؛ صوت من يقف بين الانكسار والمعنى، بين الخوف والرجاء، بين أن يكون حطبًا… أو نورًا.
يا نعمة،
أنتِ لم تكوني “حزمة حطب” كما قلتِ، بل كنتِ في نصّكِ شعلة تبحث عن اتجاهها. الحطب لا يكتب، أما أنتِ فقد كتبتِ، ومن يكتب لا ينطفئ. الثقوب التي ترينها فيكِ ليست فراغًا، بل نوافذ يمرّ منها الضوء. لذلك استطاع نصّكِ أن يصل، أن يعبر من شاشة إلى قلب، من غربة إلى معرفة.
تقولين: يمكنني أن أصبح فراشة…
وأقول: أنتِ كذلك بالفعل، لأن الفراشة لا تبدأ طيرانها، بل تبدأ صبرها في العتمة. والوردة التي “لم تفتح ذراعيها بعد” ليست غائبة، بل تتأخر قليلًا لتستحق انتظاركِ. ليس كل تأخر خيبة، أحيانًا هو شكل آخر من أشكال العناية.
وتقولين: تموت الفكرة باكرًا في المواسم المهاجرة…
لكن فكرتكِ لم تمت. لو ماتت، لما وصلتني. الأفكار التي تموت لا تعبر، أما فكرتكِ فقد سافرت، ووجدت طريقها، وكأنها تقول لكِ: “أنا هنا، لم أنتهِ بعد”.
أما صورتكِ الأجمل، حين قلتِ: أو أن أصير عمود كهرباء يصنع ضوءًا لطفل خائف…
فهنا تكمن عظمتكِ. أن تفكّري أن تكوني نورًا لغيركِ، وأنتِ في لحظة هشاشة، هذا ليس ضعفًا… بل نقاء نادر. كثيرون يطلبون الضوء لأنفسهم، لكن قلة فقط يفكرون أن يكونوا هم الضوء.
وحديثكِ عن المقابر، عن المساء، عن الخوف…
كلها ليست نهاية، بل خلفية تُظهر كم أن الحياة ما زالت تقاوم داخلكِ. لأن من يكتب عن الخوف، لم يستسلم له بعد.
يا نعمة،
وصلني نصّكِ لأنكِ صادقة، ولأن الصدق يجد طريقه دائمًا. وصلني لأن فيكِ شيئًا لم ينكسر، حتى لو ظننتِ ذلك. وربما لم أعرفكِ قبل اليوم، لكن كلماتكِ عرّفتكِ أكثر مما تفعل الأسماء.
أما سؤالكِ الأخير:
من يعزف لي لحنًا؟
فالجواب:
لقد بدأ اللحن بالفعل…
في كلماتكِ.
في وجعكِ الذي لم يصمت.
في أمّكِ التي تشعل الفرن ليخرج الخبز—وفيكِ، لأنكِ لم تختاري أن تكوني رمادًا، بل نارًا لها معنى.
اكتبي يا نعمة…
فمن يصل صوته إلى غرباء، لم يعد وحيدًا.
