بعد كسره حاجز الـ3.00.. لماذا يشكّل صعود الشيكل تهديداً لاقتصاد إسرائيل؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

يشهد النظام النقدي الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة تحولاً غير مسبوق، يتجاوز نطاق التقلبات المالية المعتادة، مع استمرار صعود الشيكل بوتيرة قوية مقابل الدولار الأمريكي.

وفي الوقت الذي يتراجع فيه الدولار عالمياً أمام معظم العملات الرئيسية، يظهر الشيكل وكأنه يقود هذا الاتجاه بقوة أكبر، حتى كسر حاجز 3 شواقل للدولار لأول مرة منذ نحو 31 عاماً.

وخلال عام واحد فقط، تراجع الدولار من 3.691 إلى نحو 2.996 شيكل، بانخفاض يقارب 18.8%، وهو ما يعكس قوة استثنائية للعملة الإسرائيلية.

لماذا يرتفع الشيكل بهذا الشكل؟

وفق تحليلات اقتصادية نقلتها تقارير دولية، فإن صعود الشيكل يعود إلى مزيج من العوامل المتداخلة، أبرزها:

تراجع ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر” على الاقتصاد الإسرائيلي في ظل التطورات الإقليمية ووقف إطلاق النار مع إيران ولبنان

تدفقات مالية كبيرة نحو إسرائيل مدفوعة بنجاحات قطاع التكنولوجيا والأمن السيبراني

الفجوة في أسعار الفائدة التي ما تزال تصب في صالح الشيكل

الأداء القوي للأسواق الأمريكية، الذي ينعكس مباشرة على التدفقات المالية إلى الداخل الإسرائيلي

هذه العوامل مجتمعة خلقت بيئة مالية تدفع الشيكل إلى مستويات قوية بشكل لافت.

القوة التي تتحول إلى عبء اقتصادي

رغم أن قوة العملة تُعد عادة مؤشراً إيجابياً، إلا أن الارتفاع الحاد في قيمة الشيكل بدأ يفرض تحديات معقدة على الاقتصاد، خصوصاً على قطاع التصدير.

المشكلة الأساسية تكمن في أن الشركات المصدّرة تبيع منتجاتها بالدولار، بينما تتحمل نفقاتها بالشيكل. ومع انخفاض قيمة الدولار، تتقلص العائدات المحولة إلى العملة المحلية، ما يؤدي إلى تآكل الأرباح.

وفي بعض الحالات، قد يفصل تغيير طفيف في سعر الصرف بين الربح والخسارة، ما يجعل استمرار قوة الشيكل تهديداً مباشراً للتنافسية الاقتصادية.

المصدرون في مواجهة “العملة القوية”

تواجه شركات التكنولوجيا والصناعات التصديرية ضغطاً متزايداً، إذ تؤدي قوة الشيكل إلى:

انخفاض الإيرادات المحسوبة بالشيكل

تراجع هوامش الربح

زيادة المخاطر على استدامة المشاريع التصديرية

ومع استمرار هذا الاتجاه، تتصاعد التحذيرات من أن قوة العملة قد تتحول إلى عامل إضعاف لنمو الاقتصاد بدلاً من دعمه.

لماذا لا يتدخل بنك إسرائيل؟

يطرح هذا الوضع سؤالاً محورياً: لماذا لا يتدخل بنك إسرائيل لكبح صعود الشيكل؟

الرد الرسمي يشير إلى أن ما يحدث يعكس اتجاهاً عالمياً في أسواق العملات، وبالتالي فإن التدخل المباشر في هذه المرحلة غير مفضل.

ورغم أن التدخل غير مستبعد مستقبلاً، إلا أن السياسة الحالية تميل إلى ترك السوق يتحرك بحرية نسبية، ما دام الارتفاع مدفوعاً بعوامل خارجية.

خيارات الحكومة: حلول مطروحة… وتأثير محدود

في ظل محدودية تدخل البنك المركزي، تتجه الأنظار إلى الحكومة بوصفها الجهة القادرة على تخفيف الضغط على الشيكل، حتى لو بشكل غير مباشر.

1. صندوق ثروة سيادي أوسع

الفكرة تقوم على تقليل تدفق الدولار إلى السوق المحلي عبر استثماره في الخارج، ما يخفف الضغط على العملة المحلية.

ورغم وجود صندوق مرتبط بعائدات الغاز، إلا أنه محدود النطاق ولا يعالج التحولات الواسعة الحالية.

2. زيادة الاستثمار في البنية التحتية

رفع الإنفاق على المشاريع الكبرى (النقل، الطاقة، التحول الرقمي) قد يزيد الطلب على الاستيراد والعملات الأجنبية، ما يساهم في تخفيف قوة الشيكل.

لكن هذا الخيار بطيء التنفيذ، ومكلف، وقد ينعكس على العجز المالي.

3. دور المؤسسات المالية الكبرى

صناديق التقاعد والادخار تستثمر مبالغ ضخمة في الأسواق الأمريكية بالدولار، ومع ارتفاع الأسهم، تزداد الحاجة لإعادة موازنة المخاطر عبر بيع الدولار وشراء الشيكل.

هذا التحرك يخلق ضغطاً إضافياً على سعر الصرف داخل سوق صغيرة نسبياً.

مقترحات غير محسومة… وبنك إسرائيل متحفظ

اقترح بعض الصناعيين أن يتدخل بنك إسرائيل عبر آلية تحوّط مباشرة مع المؤسسات المالية، بحيث يتم شراء الدولار خارج السوق المفتوحة.

لكن حتى الآن، لا يبدو أن البنك المركزي متحمس لهذا الخيار، ما يبقيه خارج دائرة التنفيذ الفعلي.

بين قوة العملة وضعف النمو: معادلة حساسة

في ظل غياب حلول فورية، يبقى قطاع التصدير في مواجهة مباشرة مع واقع اقتصادي معقد.

فبينما يُنظر إلى قوة الشيكل كعلامة على الاستقرار، إلا أنها قد تتحول إلى ضغط حقيقي على النمو إذا استمرت بالوتيرة الحالية دون أدوات موازنة فعالة.

صدى نيوز