كشفت موازنة الطوارئ للعام 2026، المعتمدة على التدفقات النقدية الفعلية، عن خفض واضح في إجمالي النفقات بنحو 1.21 مليار شيقل مقارنة ببرنامج الإصلاح الوطني، في ظل أزمة مالية غير مسبوقة ناجمة عن احتجاز أموال المقاصة وتراجع الإيرادات.
وتُظهر الموازنة أن الحكومة تتجه إلى إدارة مالية قائمة على الحد الأدنى من الإنفاق، لضمان استمرار المؤسسات العامة وتوفير الخدمات الأساسية، في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد.
أولاً: موازنة طوارئ بحدود دنيا للبقاء المؤسسي
تعتمد موازنة 2026 على فلسفة “الطوارئ النقدية”، أي الصرف فقط وفق السيولة المتوفرة، وليس وفق الالتزامات الكاملة للدولة.
وتؤكد الوثائق أن الاعتمادات المالية تمثل الحد الأدنى اللازم لاستمرار عمل المؤسسات، مع ربط الصرف الفعلي بتوفر النقد، في ظل غياب الاستقرار المالي وارتفاع المخاطر التشغيلية.
ثانياً: خفض النفقات بـ 1.21 مليار شيقل
بلغ إجمالي النفقات (باستثناء خدمة الدين وصافي الإقراض) نحو 17.7 مليار شيقل، مقارنة بـ 19.12 مليار شيقل في برنامج الإصلاح الوطني.
ويعكس هذا الفارق تطبيق إجراءات تقشف صارمة شملت تقليص النفقات التشغيلية وترشيد المصاريف العامة، وعلى رأسها بند السفر الذي انخفض بنسبة 44%.
ثالثاً: فاتورة الرواتب تبتلع نصف الموازنة
تبلغ مخصصات تعويضات العاملين نحو 9.4 مليار شيقل، أي ما يعادل 51% من النفقات الجارية.
كما تشكل فاتورة الرواتب وأشباه الرواتب:
- 66% من النفقات الجارية
- 78% من صافي الإيرادات
- 71% من موازنة مراكز المسؤولية
ما يعكس ما وصفته الموازنة بـ”الهيكل الجامد للإنفاق العام”، وصعوبة إجراء تخفيضات جوهرية دون المساس بالخدمات الأساسية.
رابعاً: دعم حكومي يتجاوز 1.3 مليار شيقل
تتضمن الموازنة مخصصات دعم تتجاوز 1.3 مليار شيقل، تشمل الوقود والكهرباء والمياه، سواء للمخيمات أو شرائح التعرفة المختلفة.
كما جرى الإبقاء على دعم الفئات الهشة، رغم الضغوط المالية الكبيرة.
خامساً: عجز متصاعد وأزمة مقاصة خانقة
تشير البيانات المالية إلى استمرار العجز في الموازنات الأخيرة:
2024:
إيرادات 14.57 مليار شيقل – نفقات 19.36 مليار – عجز 5 مليارات شيقل
2025:
إيرادات 15.28 مليار شيقل – نفقات 18.83 مليار – عجز 3.55 مليار شيقل
وتُظهر الموازنة أن أموال المقاصة المحتجزة، التي تمثل نحو 67% من الإيرادات، كانت العامل الأبرز في تفاقم الأزمة.
سادساً: الدعم الخارجي وتعويض العجز
ارتفع الدعم الخارجي للموازنة بشكل ملحوظ:
- 1.3 مليار شيقل في 2023
- 3 مليارات شيقل في 2024
- 3.2 مليار شيقل في 2025
لكن هذا الدعم تركز بشكل أساسي في تغطية النفقات الجارية، دون إحداث تحول جوهري في حجم الإنفاق التطويري، الذي بقي شبه ثابت.
سابعاً: توقعات 2026.. عجز يهدد الاستقرار المالي
تتوقع الموازنة أن يبلغ:
- العجز قبل المنح: 3.78 مليار شيقل (6% من الناتج المحلي)
- العجز بعد المنح: 1.3 مليار شيقل (2%)
لكن في حال استمرار احتجاز أموال المقاصة، قد يقفز العجز النقدي إلى 11.86 مليار شيقل (18.9% من الناتج المحلي)، وهو مستوى يُعد بالغ الخطورة على الاستقرار المالي.
ثامناً: خبير مالي يصف الوضع بـ”الخنق الاقتصادي”
يقول الخبير في المالية العامة مؤيد عفانة إن إعداد موازنة الطوارئ جاء نتيجة “خنق اقتصادي إسرائيلي” غير مسبوق، خصوصاً مع احتجاز 68% من الإيرادات منذ أيار 2025، إلى جانب تداعيات الحرب على قطاع غزة والحصار في الضفة الغربية.
ويؤكد أن الانتقال إلى موازنة طوارئ كان خياراً إجبارياً، يهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية مؤسسات الدولة.
تاسعاً: إجراءات تقشفية.. بين الضرورة والمخاطر
من أبرز الإجراءات التي حملتها الموازنة:
- تقليص النفقات التشغيلية بشكل صارم
- وقف النفقات التطويرية من الخزينة
- الإبقاء على تمويل الصحة والتعليم والأمن
- تعزيز برامج الحماية الاجتماعية
- ترشيد السفر والمصاريف الإدارية
عاشراً: تحديات خطيرة أمام 2026
رغم الإجراءات التقشفية، تواجه الموازنة تحديات جوهرية أبرزها:
- عدم استقرار الإيرادات
- تهديد استمرار دفع الرواتب
- ضعف تمويل القطاع الصحي
- الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي
خلاصة
تعكس موازنة الطوارئ 2026 واقعاً مالياً بالغ الصعوبة، حيث تتحول من أداة للتنمية إلى أداة للبقاء، في ظل انهيار مصادر الإيراد الأساسية، واستمرار القيود على أموال المقاصة، ما يضع الاقتصاد الفلسطيني أمام اختبار مالي شديد التعقيد خلال العام الحالي.
