نحو لحظة عربية فاصلة (1)

بقلم: عائد زقوت

قراءة في التحولات الدولية وإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي العربي.

تنطلق هذه القراءة من حقيقة أنّ الاستراتيجية الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط، كما أعاد البيت الأبيض تأكيدها في مايو 2026، تقوم على إدارة التوازن الإقليمي عبر الاستنزاف الموجَّه، لا عبر الحسم العسكري الكامل أو إعادة تشكيل النظام الإقليمي بصورة جذرية. وفي قلب هذه الاستراتيجية تأتي إيران والممرات المائية — خصوصًا مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر — بوصفها عناصر مترابطة في هندسة أمنية واحدة تتحكم في إيقاع الصراع ومستوى الاستقرار في المنطقة. ورغم الضربات العسكرية المكثفة خلال عملية "الغضب الملحمي" وما سبقها، لم تسعَ واشنطن إلى إسقاط النظام الإيراني أو تحييده كليًا، بل إلى إضعافه استراتيجيًا بصورة مُدارة تمنعه من تثبيت معادلة ردع مستقرة، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم دفعه نحو انهيار كامل قد يُطلِق فوضى إقليمية واسعة النطاق. لذلك اعتمدت مقاربة تجمع بين ضربات نوعية موجَّهة، واستنزاف اقتصادي مستمر، وعقوبات، مع إبقاء بوابة تفاوض مفتوحة، كما ظهر في المذكرة التفاهمية المقترحة في مايو 2026. ولم تقتصر هذه المقاربة على الدولة الإيرانية وحدها، بل امتدت إلى شبكة الفاعلين ما دون الدولة المرتبطين بها، حيث سعت واشنطن إلى تآكل قدراتهم تدريجيًا دون القضاء التام عليهم، بما يسمح بالإبقاء على حالة من الاستقرار غير المكتمل والقابل للضبط، ويمنع في الوقت نفسه تشكل توازنات إقليمية مستقلة بصورة كاملة عن النفوذ الأميركي. لكنّ هذه الاستراتيجية لا تقتصر على الفاعلين المرتبطين بإيران فقط، بل تمتد إلى شبكة أوسع من جماعات الإسلام السياسي والميليشيات العابرة للحدود، التي أصبحت جزءًا بنيويًا من بيئة الصراع في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى هذه الفواعل فقط بوصفها تهديدات أمنية، بل أيضًا كأدوات ضغط غير مباشر تُستخدم أو تُضبط ضمن إدارة التوازنات الإقليمية، بما يسمح بإبقاء المنطقة في حالة استقرار غير مكتمل، قابل للضبط لا للحسم. كما أنّ تصنيف بعض حركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، ضمن أطر "التطرف" أو "التهديد العابر للحدود" في عدد من الدول العربية، لم يعد مجرد قضية داخلية مرتبطة بإدارة المجال السياسي، بل أصبح جزءًا من معادلات الأمن الإقليمي والدولي نفسها. ويتقاطع ذلك مع المقاربة الأميركية المعلنة في الاستراتيجية الأمنية الأخيرة، التي تتعامل مع بعض هذه الحركات بوصفها جزءًا من بيئات الهشاشة وعدم الاستقرار القابلة لإعادة التوظيف أو الاحتواء ضمن إدارة التوازنات الإقليمية، لا باعتبارها ملفًا منفصلًا عن هندسة الأمن الإقليمي الأوسع. ويتقاطع ذلك أيضًا مع اتجاهات أوروبية متصاعدة، خصوصًا في فرنسا، حيث شهدت السنوات الأخيرة تشريعات ومشاريع قوانين تستهدف ما يُوصف بـ"التغلغل الإسلامي" أو "الانفصالية"، في إطار إعادة تعريف العلاقة بين الأمن والهوية والاندماج داخل الدولة الحديثة. وفي هذا السياق، أعاد التعامل مع الإسلام السياسي تشكيل خرائط التحالفات والاستقطاب، ووسّع مفهوم التهديد ليشمل ليس فقط الجماعات المسلحة، بل أيضًا البُنى التنظيمية العابرة للدولة القادرة على إنتاج نفوذ سياسي واجتماعي ممتد. غير أنّ هذا المشهد لا يكتمل دون إدراج الدور المتصاعد لإسرائيل، التي أصبحت فاعلًا مركزيًا في هندسة أمن الممرات. فهي لم تعد طرفًا محيطًا بالصراع، بل قوة عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية متقدمة تتداخل مباشرة في معادلات البحر الأحمر وشرق المتوسط، وتؤثر في توازنات الأمن البحري الإقليمي. وتنظر إسرائيل إلى إيران بوصفها تهديدًا وجوديًا، ما يجعلها منخرطة بعمق في سياسة احتواء النفوذ الإيراني عبر أدوات عسكرية وأمنية ممتدة. كما أنّ ارتباط أمنها البحري بميناء إيلات وخطوط الملاحة في البحر الأحمر يضعها ضمن معادلة باب المندب بصورة غير مباشرة. وفي هذا السياق، يكتسب انخراطها المتزايد في فضاء القرن الأفريقي بُعدًا استراتيجيًا إضافيًا، يتجلى في علاقات متقدمة مع بعض الكيانات المحلية، مثل صوماليلاند، وهو ما يُفهم ضمنيًا بوصفه إمكانية لبناء حضور لوجستي وأمني قريب من الممرات الجنوبية الحيوية، بما يعزز قدرتها على التأثير غير المباشر في أمن الملاحة الإقليمي. ومع توسع مسار التطبيع مع عدد من الدول العربية، تصبح إسرائيل جزءًا من بُنية أمن إقليمي ناشئة، تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية والأمنية في آنٍ واحد، ما يفرض سؤالًا جوهريًا: هل يمكن تصور منظومة أمن بحري عربية مستقلة دون أخذ الدور الإسرائيلي المتداخل في الممرات بعين الاعتبار، سواء بوصفه شريكًا أو خصمًا أو فاعلًا أُعيد تعريفه ضمن ترتيبات جديدة؟ إلى جانب ذلك، يبرز الدور الإقليمي المعقد لتركيا، التي تُعد ذات موقع جغرافي حاكم على أهم المضائق العالمية عبر البوسفور والدردنيل، وتمتد تحركاتها العسكرية والسياسية إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. فتركيا لم تعد فاعلًا إقليميًا تقليديًا، بل قوة عابرة للمجالات الجغرافية، تستخدم أدواتها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية للتأثير في أكثر من ساحة في وقت واحد. وفي سياق القرن الأفريقي، يتقاطع الحضور التركي مع أدوار خليجية متنامية في إدارة الموانئ والبنية اللوجستية، إضافة إلى التنافس مع مصر ودول أخرى على النفوذ في هذا الفضاء الحيوي. وهكذا تتحول المنطقة إلى ساحة تداخل مصالح معقدة، لا تُدار بمنطق الدولة فقط، بل عبر شبكات اقتصادية وأمنية متداخلة تمتد من الموانئ إلى خطوط الملاحة. لكنّ هذا المشهد متعدد الطبقات لا تهيمن عليه الدول وحدها، بل تتخلله شبكة معقدة من الفاعلين ما دون الدولة الذين أصبحوا جزءًا بنيويًا من أمن الممرات. وهنا لا يعود الحديث عن الفاعلين ما دون الدولة بوصفهم عنصرًا نظريًا في بنية الصراع، بل كقوة ميدانية تؤثر مباشرة في حركة الملاحة وتوازنات الردع. فحركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد محكومة بقرارات الدول فقط، بل أيضًا بتأثير جماعات مسلحة عابرة للحدود، في مقدمتها الحوثيون في اليمن، الذين حولوا جزءًا من الممر إلى ساحة ضغط مباشر. كما تمتد الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق وسوريا ولبنان لتشكل طبقة نفوذ غير دولتي تؤثر في معادلات الردع، بينما تعيد أزمات ليبيا والسودان إنتاج تهديدات ممتدة نحو الجنوب وممرات الطاقة والتجارة. وفي هذا السياق، تتقاطع الفواعل المسلحة مع حركات الإسلام السياسي ضمن بيئة واحدة تُنتج حالة من عدم الاستقرار المزمن، يصعب ضبطها عبر أدوات الدولة التقليدية وحدها. لكن تعقيد البيئة الإقليمية وحده لا يفسر مأزق النظام العربي، إذ إنّ جزءًا من الأزمة يرتبط ببنية الإدراك الاستراتيجي العربي نفسه. غير أنّ العقبة الأعمق أمام تشكل "اللحظة العربية الفاصلة" لا ترتبط فقط بتوازنات القوة، بل بما يمكن تسميته "المنطقة الرمادية" في التفكير الاستراتيجي العربي؛ أي غياب تعريف واضح ومتفق عليه للتهديدات والأولويات. فالإقليم يتحرك منذ عقود ضمن منطق إدارة الأزمات، لا ضمن منطق بناء مشروع استراتيجي طويل الأمد. هذه المنطقة الرمادية تطرح سؤالًا مركزيًا: مَنْ هو التهديد الأساسي؟ إيران؟ إسرائيل؟ الفاعلون ما دون الدولة؟ أم الاعتماد البنيوي على القوى الخارجية؟ إنّ غياب الإجابة الموحدة لا ينتج فقط تباينًا في السياسات، بل يعيد إنتاج حالة عربية تتحرك غالبًا كرد فعل، لا بوصفها فاعلًا مبادرًا. ومن هنا يصبح السؤال الأعمق: هل العائق الحقيقي هو غياب الرؤية، أم وجود تناقضات بنيوية بين مصالح الدول العربية نفسها، تجعل المشروع الجماعي محدود السقف منذ البداية؟ لكن رغم هذا التعقيد، فإن :اللحظة العربية الفاصلة" ليست مستحيلة، بل مشروطة. فهي تحتاج إلى إعادة بناء مقاربة أمن الممرات، وتطوير الاندماج الاقتصادي ليصبح أداة قوة سياسية، وتسريع التحول التكنولوجي والدفاعي، إلى جانب دبلوماسية أكثر مرونة قادرة على إدارة التوازنات بدل الاكتفاء بالاستجابة لها. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الدول العربية الانتقال من موقع المتأثر بشبكات الدول واللا-دول، إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تعريف قواعد اللعبة في الممرات المائية، قبل أنْ تُحسم هذه القواعد خارجها؟ ففي الشرق الأوسط، لا تُصنع اللحظات التاريخية بالقوة وحدها، بل بالقدرة على فهم بنية الفاعلين، وتوقيت التحولات، والاستعداد لها قبل أنْ تتحول إلى وقائع مفروضة. يتبع في الجزء الثاني: اختبار النظام الإقليمي وهندسة الاستنزاف.

البوابة 24