فتح بعين النحل: فلسفة البناء في وجه الفوضى

بقلم:محمد قاروط أبو رحمه

ليست الاستعارة مجرد زخرفة لغوية حين تُستخدم بدقة، بل قد تكون مدخلًا لفهم منهج كامل في التفكير والعمل. ومن هذا الباب، يمكن قراءة تجربة حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” عبر صورة النحل: ككائن لا يعيش على الصدفة، بل على نظام دقيق، ولا يتحرك عبثًا، بل وفق غاية واضحة، ولا ينتج إلا ما ينفع.

ترى “فتح” العالم بعين النحل؛ لا لأنها تتجاهل القبح، بل لأنها لا تسمح له أن يكون مركز رؤيتها. في واقع مليء بالتعقيد، والصراعات، والانكسارات، تختار أن تبحث عن الممكن، لا المستحيل؛ عن القابل للبناء، لا المستسلم للانهيار. وهذا ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل منهجًا في قراءة الواقع: أن ترى الزهر وسط الغابة، لا أن تنكر وجود الأشواك.

بهذا المعنى، لا تنفي “فتح” التناقضات، ولا تتعامى عن الأزمات، لكنها لا تتوقف عندها. فالغابة، بكل ما فيها من تنوع، ليست تهديدًا فقط، بل أيضًا فرصة. ومن يملك القدرة على الانتقاء، يستطيع أن يحوّل هذا التنوع إلى مصدر قوة. تمامًا كما يفعل النحل حين يختار من بين آلاف الأزهار ما يصنع منه عسلًا، لا ما يفسد خليه.

هذه الرؤية تنعكس في منهج العمل. فـ”فتح” لا تقوم على القفزات المفاجئة، بل على التراكم. لا تبني مشروعها على لحظة، بل على مسار. كل خطوة، مهما بدت صغيرة، تُضاف إلى ما قبلها، لتشكّل في النهاية بنية قادرة على الاستمرار. هذا هو منطق النحل: عمل دؤوب، صامت أحيانًا، لكنه عميق الأثر.

وفي قلب هذا المنهج، هناك إيمان بالحياة. ليس بالمعنى العاطفي، بل بوصفه خيارًا سياسيًا. فالحركة التي تختار أن تبني، وأن تُبقي على حضور شعبها، وأن تحافظ على مؤسساته، إنما تختار الحياة في مواجهة مشاريع الإلغاء. وهذا الإيمان هو ما يجعلها تستمر، حتى في أكثر اللحظات صعوبة.

لكن الطريق ليس معبّدًا. فكما أن النحل محاط دائمًا بتهديدات، فإن الحركة تعمل في بيئة مليئة بالتحديات: احتلال، اختلال في موازين القوى، ضغوط داخلية وخارجية، ومحاولات مستمرة لإرباك المسار. وهناك دائمًا “دبابير” تحاول أن تهاجم الخلية، أو أن تفسد إنتاجها، أو أن توهمها بمسارات خاطئة.

غير أن الفارق الجوهري لا يكمن في وجود التهديد، بل في كيفية التعامل معه. فالنحل لا يغيّر طبيعته لأنه محاط بالخطر، ولا يتحول إلى كائن آخر. بل يزداد تمسكًا بوظيفته: البناء، والإنتاج، والحماية. وهنا تكمن قوة الحركات الحية: في قدرتها على الاستمرار بوظيفتها، لا في خلوّها من التحديات.

ومن زاوية أخرى، تكشف هذه الاستعارة عن فرق في الرؤية. فليس الجميع يرى العالم بالطريقة نفسها. هناك من يختار أن يرى القاذورات فقط، وأن يجعل منها مركز تحليله، فيتحول إلى ما يشبه الذباب الذي لا يقع إلا على ما يفسد. وهذا أيضًا خيار، لكنه خيار لا ينتج حياة، بل يعيد تدوير السلبية.

أما “فتح”، فقد اختارت أن تكون خلية نحل:
تعمل، لا تكتفي بالوصف؛
تبني، لا تكتفي بالنقد؛
تراكم، لا تهدم ما سبق؛
وتدافع عن بيتها، لا تتركه للفوضى.

هذه ليست مثالية، بل رؤية للصراع نفسه. فالمعركة ليست فقط على الأرض، بل على كيفية النظر إليها: هل نراها مساحة خراب، أم إمكانية بناء؟ هل نتعامل معها بوصفها نهاية، أم بداية؟

في النهاية، قد يختلف الناس في تقييم التجربة، في حجم الإنجاز، أو في طبيعة الأخطاء. لكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك فرقًا بين من يسعى إلى إنتاج العسل، ومن يكتفي بالتحليق حول ما يفسد. وبين هذين الخيارين، يتحدد معنى الفعل، واتجاه المستقبل.

البوابة 24