خريطة تكشف اتساع كارثة النزوح في خانيونس .. صورة

غزة
غزة

غزة / البوابة24- يافا أبو عكر

لم تعد أصوات القصف وحدها ما تسرق النوم من عيون النازحين في قطاع غزة، فداخل الخيام المهترئة التي لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، تتسلل القوارض ليلًا لتشارك العائلات مأساتها اليومية، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية والبيئية التي يعيشها السكان داخل مراكز الإيواء ومناطق النزوح.

ومع استمرار الحرب، وتراكم آلاف الأطنان من النفايات، وتعطل خدمات الصرف الصحي والنظافة العامة، تحولت أجزاء واسعة من مدينة خانيونس إلى بيئة خصبة لانتشار القوارض والحشرات، وسط اكتظاظ هائل بالخيام ومراكز النزوح.

وتكشف الخريطة الاسترشادية الصادرة عن بلدية خانيونس حجم انتشار القوارض والجرذان في أحياء المدينة، حيث صنّفت عدة مناطق ضمن “الأولوية العالية” والخطورة المرتفعة، نتيجة الكثافة السكانية الكبيرة، ووجود مخيمات نزوح، وتراكم النفايات، والصرف الصحي المكشوف.

وبحسب بيانات الخريطة، تُعد مناطق مثل حي الأمل، حي المواصي الشمالي، حي النصر، حي التحرير، وحي المعسكر من أكثر المناطق تضررًا، إذ تضم آلاف الدونمات المكتظة بالخيام والنازحين، مع ارتفاع واضح في الكثافة السكانية ومؤشرات التلوث البيئي.

Messenger_creation_5840F4D8-61D6-49A7-A5A9-1FD64A200011.jpeg
 

كما أظهرت الخريطة أن حي المعسكر يُعد من أخطر البؤر البيئية، بكثافة سكانية وصلت إلى أكثر من 80 نسمة في بعض المناطق، إلى جانب وجود مخيمات نزوح وتراكم للنفايات، بينما سجل حي المواصي الجنوبي كثافة سكانية مرتفعة تجاوزت 39 نسمة، وسط انتشار واسع للخيام.

أما المناطق المصنفة ضمن “الأولوية المتوسطة” و”الأولوية المنخفضة”، فقد شهدت أيضًا مؤشرات مقلقة لانتشار القوارض، خاصة في الأحياء التي تضم تجمعات نزوح عشوائية وتعاني من ضعف خدمات النظافة والصرف الصحي.

وتقول أم محمد العشي، وهي نازحة من شمال قطاع غزة وتقيم حاليًا في مخيم نزوح غرب خانيونس:

“الفئران تدخل الخيمة بشكل يومي، تفسد الطعام وتقرض الملابس، وأطفالي يستيقظون وهم يصرخون خوفًا منها، لم نعد نعرف كيف نحميهم.”

أما المواطن عمرو أحمد، وهو نازح من مدينة خانيونس، فيصف الواقع المعيشي قائلًا:

“إلى جانب الجوع والعطش، أصبحنا نحارب القوارض والحشرات يوميًا، لا يوجد مكان نظيف، والقمامة منتشرة قرب الخيام وفي الطرقات.”

ويحذر الدكتور أحمد منصور، الطبيب في مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، من التداعيات الصحية الخطيرة لهذه الظاهرة، موضحًا أن القوارض تتسبب في نقل أمراض معدية والتهابات جلدية، إضافة إلى مخاطر تلوث الطعام والمياه داخل مراكز الإيواء.

ويضيف:“رصدنا خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعًا في حالات الالتهابات الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي بين الأطفال داخل مراكز النزوح، نتيجة البيئة غير الصحية وتلوث المياه والطعام.”

أشارت الأمم المتحدة إلى أن المخاطر البيئية الصحية في غزة بلغت مستويات خطيرة، حيث رُصد انتشار واسع للقوارض والآفات في 81% من مواقع النزوح (1,326 من أصل 1,644 موقعًا)، ما أثر على نحو 1.45 مليون شخص. كما سجلت التقارير تراكم النفايات في 56% من المواقع، ووجود مياه صرف صحي مكشوفة في 61% منها، إلى جانب ارتفاع معدلات الجرب والقمل والتهابات الجلد، مع أكثر من 70 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض والطفيليات الخارجية منذ بداية عام 2026.

وفي مواجهة الأزمة، تواصل بلدية خانيونس تنفيذ حملات متواصلة لمكافحة القوارض والحشرات رغم محدودية الإمكانيات وشح الوقود والمبيدات.

وقال صائب لقان، المتحدث باسم بلدية خانيونس، إن البلدية أطلقت خطة وطنية شاملة لمكافحة القوارض بالتعاون مع لجان الأحياء والمؤسسات الشريكة، بهدف الحد من انتشار الظاهرة التي تهدد صحة وسلامة المواطنين داخل الخيام ومراكز الإيواء.

وأوضح أن البلدية تمكنت من توزيع نحو 6000 كيس من المواد الخاصة بمكافحة القوارض، إضافة إلى تغطية ما يقارب 20 كيلومترًا مربعًا من المساحة الجغرافية لمدينة خانيونس ضمن حملات المكافحة.

وأشار إلى أن محافظة خانيونس تضم حاليًا نحو 200 ألف خيمة موزعة على 175 مركز إيواء وتجمع نزوح، ما يزيد من صعوبة السيطرة على الأزمة البيئية في ظل الإمكانيات المحدودة.

وأكد أن الحملة تهدف إلى الحفاظ على صحة الإنسان، باعتبار القوارض ناقلًا خطيرًا للأمراض والأوبئة، إضافة إلى حماية البيئة وتعزيز الأمن الصحي والمجتمعي داخل المخيمات.

كما تعتمد الحملة على إشراك المجتمع المحلي ولجان الأحياء والمؤسسات الإغاثية في عمليات الرصد والمكافحة، عبر توفير أدوات الصيد، وتفعيل الرقابة الميدانية، وتقديم حوافز ومكافآت للمساهمين في الحد من انتشار القوارض.

وفي غزة، لم تعد الخيام مجرد شاهد على النزوح، بل أصبحت عنوانًا لمعاناة تتفاقم يومًا بعد آخر، حيث يواجه المدنيون حربًا من نوع آخر؛ حربًا مع الجوع والمرض والخوف وانعدام أبسط مقومات الحياة.

وبينما تتسع الكارثة الإنسانية، تبقى الخريطة البيئية لمدينة خانيونس شاهدًا إضافيًا على واقع صحي خطير، يهدد حياة مئات آلاف النازحين العالقين بين الحرب وتفشي القوارض.

البوابة 24