بقلم موسى الصفدي
مع إسدال الستار على أعمال المؤتمر الثامن لـ حركة فتح، تكون الحركة قد دخلت مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الشرعية التنظيمية والانطلاق نحو استحقاقات سياسية وتنظيمية أكثر تعقيدًا وحساسية في ظل ما يواجهه شعبنا الفلسطيني من تحديات مصيرية. وفي مثل هذه المحطات الكبرى، يصبح من الطبيعي أن تتباين المواقف ووجهات النظر، وأن يشعر بعض الإخوة بخيبة أمل نتيجة عدم حصولهم على عضوية المجلس الثوري أو اللجنة المركزية، لكن غير الطبيعي أن تتحول هذه المشاعر إلى حالة من التشكيك بالمؤتمر ومخرجاته بعد انتهاء العملية الديمقراطية. إن المؤتمر الثامن، بما شهده من حضور واسع ونقاشات سياسية وتنظيمية معمقة، يمثل أعلى سلطة حركية، ومخرجاته تصبح ملزمة لجميع أبناء الحركة دون استثناء. ومن هنا، فإن المشاركة في المؤتمر، وخوض الانتخابات داخله، والقبول المسبق بآلياته ونتائجه، يفترض بالضرورة احترام ما أفرزته صناديق الاقتراع، لا الانقلاب عليها عند تعارض النتائج مع الطموحات الشخصية. فمن غير المنطقي أن يمنح البعض المؤتمر شرعيته الكاملة عندما يكون باب الفوز مفتوحًا أمامهم، ثم يسارعون إلى توجيه الانتقادات والطعن بالمخرجات بعد تعثرهم انتخابيًا. لأن هذا السلوك، مهما حاول أصحابه تغليفه بعناوين إصلاحية أو نقدية، يفقد الكثير من موضوعيته، ويمنح الانطباع بأن الدافع الحقيقي ليس الحرص على مصلحة الحركة بقدر ما هو انعكاس لخيبة شخصية أو حسابات ذاتية. النقد داخل الأطر التنظيمية حق مشروع، بل ضرورة صحية لأي حركة تحرر وطني، لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى التطوير والبناء، وبين ردود الفعل الانفعالية التي تظهر عقب خسارة المواقع التنظيمية. فالنقد الحقيقي لا يرتبط بالمكاسب الشخصية، ولا يُقاس بنتائج الانتخابات، بل يُبنى على رؤية وطنية وتنظيمية متماسكة وثابتة. لقد أثبتت حركة فتح عبر تاريخها الطويل أنها أكبر من الأفراد، وأوسع من المصالح الشخصية، وأنها قادرة دائمًا على تجديد نفسها من داخلها رغم كل التحديات. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب من الجميع، وخاصة من الإخوة الذين لم يحالفهم الحظ، التحلي بروح المسؤولية الوطنية والتنظيمية، والعمل على طي صفحة المؤتمر بكل ما حملته من تنافس واجتهادات، والتوجه نحو تعزيز وحدة الحركة وتماسكها الداخلي. إن شعبنا الفلسطيني لا ينتظر من أبناء الحركة المزيد من الانقسامات أو السجالات التنظيمية، بل ينتظر خطابًا موحدًا يعيد الثقة بالحركة ودورها التاريخي، ويؤسس لمرحلة من الاستنهاض والبناء والإصلاح الحقيقي. أما الاستمرار في فتح ملفات المؤتمر بعد انتهاء أعماله، فلن يخدم إلا حالة الإرباك الداخلي، وسيمنح خصوم الحركة فرصة لاستثمار أي تباينات أو خلافات. اليوم، وبعد أن قال المؤتمر كلمته، تصبح المسؤولية الوطنية والأخلاقية والتنظيمية تفرض على الجميع احترام النتائج، والانخراط في دعم المؤسسات المنتخبة، والعمل بروح الفريق الواحد بعيدًا عن الاصطفافات وردود الفعل العابرة. فالحركات الوطنية الكبرى لا تُقاس بنتائج انتخابات داخلية، بل بقدرتها على تجاوز الخلافات والانتصار لوحدة مشروعها الوطني. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي أبناء حركة فتح وإدراكهم أن المرحلة القادمة تحتاج إلى تكاتف الجميع، لأن قوة الحركة كانت وستبقى في وحدتها، وفي قدرتها على تحويل التنافس الداخلي إلى طاقة بناء لا إلى معاول هدم أو تصفية حسابات.
