النقد الوطني بين حق الشراكة ومسؤولية الحفاظ على المشروع الفلسطيني

 بقلم: موسى الصفدي

من الطبيعي، بل ومن الصحي وطنيًا، أن تجد في صفوف شعبنا الفلسطيني أصواتًا ناقدة لسلوك وأداء ووعي الحركة الوطنية الفلسطينية، لأن هذه الحركة لم تكن يومًا كيانًا منفصلًا عن الجماهير، وإنما تشكلت من رحم المعاناة الفلسطينية، وحملت مشروع الشعب الفلسطيني الوطني منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح ، وما تبعها من مؤسسات وطنية جسدتها باعتبارها الإطار الجامع للنضال الفلسطيني. إن حق الجماهير الفلسطينية في النقد يستند إلى حقيقة جوهرية مفادها أن الشعب الفلسطيني شريك أصيل في كافة مراحل الكفاح الوطني؛ فهو من قدّم الشهداء والأسرى والجرحى، وتحمل ويلات اللجوء والحصار والاحتلال، وآمن بأن الحركة الوطنية الفلسطينية تمثل تطلعاته في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

لذلك فإن أي نقد يصدر عن أبناء الشعب الفلسطيني تجاه مؤسساتهم الوطنية أو قياداتهم السياسية يمكن فهمه في سياقه الطبيعي والبناء حين يكون هدفه تصويب المسار، واستنهاض الحالة الوطنية، وتعزيز عناصر القوة والصمود في مواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي. لقد شهد التاريخ الفلسطيني المعاصر محطات عديدة أثبت فيها النقد الوطني المسؤول دوره الإيجابي في إعادة تصويب البوصلة الوطنية. فبعد تداعيات الخروج الفلسطيني من بيروت عام 1982، برزت مراجعات سياسية وتنظيمية داخل أطر الحركة الوطنية ساهمت في إعادة بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز حضور القضية الفلسطينية عربيًا ودوليًا. وكذلك خلال مرحلة الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، لعب الوعي الشعبي والنقد الداخلي دورًا مهمًا في تطوير أدوات النضال الوطني وتوحيد الخطاب السياسي الفلسطيني حول حق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال. كما أن وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988 مثلت إحدى نتائج المراجعات السياسية التي هدفت إلى تعزيز الحضور القانوني والسياسي للقضية الفلسطينية على المستوى الدولي.

غير أن الإشكالية الخطيرة تبدأ حين يتحول النقد من أداة إصلاح وبناء إلى وسيلة هدم وتشويه وتصفية حسابات شخصية أو فئوية، أو عندما يتم اختصار التاريخ النضالي للحركة الوطنية الفلسطينية في أخطاء أو إخفاقات جزئية بهدف ضرب الثقة الشعبية بها، وإضعاف مكانتها الاعتبارية في وجدان الشعب الفلسطيني. فهناك فرق كبير بين نقد يهدف إلى الإصلاح، ونقد آخر يسعى إلى تقويض الحالة الوطنية الجامعة وإحداث شرخ داخلي يخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة المشاريع الإسرائيلية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية.

لقد عملت إسرائيل، منذ عقود، على استهداف الهوية الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها الجامعة، وفي مقدمتها ، لأنها تدرك أن وحدة التمثيل الوطني تشكل أحد أهم عناصر القوة السياسية للشعب الفلسطيني. وقد أكدت العديد من الدراسات والمواقف الإسرائيلية أن تفكيك الحالة الوطنية الفلسطينية وإضعاف حركة تحديدًا يمثل هدفًا استراتيجيًا للاحتلال، باعتبارها العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني وصاحبة الدور التاريخي في إطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة. وفي هذا السياق، فإن بعض الخطابات التي يتم تداولها تحت عنوان “النقد” تتجاوز حدود المسؤولية الوطنية، حين تتحول إلى حملات تشويه منظمة، أو تبني خطابًا سوداويًا ينكر التضحيات الوطنية والتاريخ الكفاحي للشعب الفلسطيني، أو يسعى إلى تكريس حالة الإحباط واليأس وفقدان الثقة بالمشروع الوطني. والأخطر من ذلك حين تتماهى بعض هذه الأصوات، بوعي أو دون وعي، مع الرواية الإسرائيلية التي تحاول تصوير الحركة الوطنية الفلسطينية وكأنها عبء على الشعب الفلسطيني، لا إطارًا نضاليًا يمثل طموحاته الوطنية.

إن مواجهة هذا النوع من الخطاب لا تكون عبر مصادرة الرأي أو إلغاء حق النقد، وإنما من خلال تعزيز الوعي الوطني، وترسيخ ثقافة الحوار المسؤول، والتمييز بين النقد البنّاء الذي يهدف إلى الإصلاح والتطوير، وبين محاولات الهدم التي تستهدف وحدة الشعب الفلسطيني وشرعية نضاله الوطني. فالحركة الوطنية الفلسطينية، رغم كل ما تعرضت له من أزمات وتعقيدات، لا تزال تمثل الإطار السياسي والكفاحي الجامع للشعب الفلسطيني، وأي محاولة لإضعافها دون تقديم بديل وطني جامع لا تصب إلا في مصلحة الاحتلال ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية. إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات سياسية ومخاطر تستهدف الوجود والهوية الوطنية الفلسطينية، تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية الوطنية، وتفرض على الجميع ــ قيادةً وقواعد وجماهير ــ التمسك بثوابت المشروع الوطني الفلسطيني، والعمل على حماية الحالة الوطنية الجامعة من محاولات التفكيك والإضعاف، لأن الحفاظ على وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية هو في جوهره حفاظ على حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

البوابة 24