المسجد الأقصى بين الوصاية التاريخية ومحاولات إعادة تشكيل الواقع: التداعيات الاستراتيجية على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تتصاعد في الآونة الأخيرة تقارير إعلامية وتحليلات سياسية تتحدث عن وجود توجهات أمريكية وإسرائيلية لإعادة صياغة الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك تحت عناوين متعددة، من بينها "التعددية الدينية" و"الإدارة المشتركة" و"المركز الإبراهيمي". وبغض النظر عن مدى دقة هذه التقارير أو إمكانية ترجمتها إلى سياسات عملية، فإن مجرد طرح مثل هذه الأفكار يستوجب قراءة استراتيجية وقانونية معمقة، نظراً لما يمثله المسجد الأقصى من مكانة دينية وتاريخية وسياسية تتجاوز حدود فلسطين لتشمل العالمين العربي والإسلامي، بل والمجتمع الدولي بأسره. إن قضية المسجد الأقصى ليست قضية عقارية أو إدارية يمكن إعادة ترتيبها وفقاً لموازين القوة السياسية، بل هي قضية ترتبط بمبادئ القانون الدولي، والحقوق التاريخية، والهوية الدينية والحضارية لمدينة القدس. ولذلك فإن أي محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء تنظيمي، بل باعتبارها خطوة ذات أبعاد استراتيجية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل طبيعة الصراع في المنطقة بأسرها. لقد استقر الوضع القانوني للمقدسات الإسلامية في القدس على أساس إدارة دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، في إطار الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي وصاية تحظى باعتراف عربي وإسلامي ودولي واسع. كما أن قرارات الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو أكدت مراراً على الطابع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى باعتباره موقعاً إسلامياً خالصاً، وعلى عدم مشروعية الإجراءات الأحادية الرامية إلى تغيير طابعه أو هويته أو تركيبته القانونية. إن جوهر المخاوف لا يكمن فقط في مسألة توسيع صلاحيات جهة على حساب أخرى، وإنما في السعي إلى إعادة تعريف المسجد الأقصى ذاته، وتحويله من رمز ديني وسيادي مرتبط بالهوية الإسلامية للقدس إلى فضاء يخضع لمعادلات سياسية وأمنية جديدة تفرضها موازين القوة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الصراع ينتقل من إطار النزاع السياسي القابل للتفاوض إلى إطار الصراع الديني المفتوح الذي يصعب احتواؤه أو الوصول إلى تسويات مستدامة بشأنه. ومن الناحية الاستراتيجية، فإن أي مساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى يحمل مخاطر تتجاوز الأراضي الفلسطينية لتطال الأمن الإقليمي والدولي. فالتاريخ الحديث يثبت أن القدس كانت دائماً نقطة الاشتعال الأخطر في الصراع، وأن أي تغيير يتعلق بالمقدسات كان قادراً على إشعال موجات واسعة من التوتر وعدم الاستقرار. وفي ظل حالة الاحتقان غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة نتيجة الحروب والأزمات المتلاحقة، فإن فتح ملف المقدسات بهذه الطريقة قد يدفع نحو دورة جديدة من المواجهات يصعب احتواء تداعياتها. كما أن مثل هذه السياسات قد تؤدي إلى تقويض ما تبقى من فرص التسوية السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فالسلام لا يمكن أن يقوم على فرض وقائع جديدة بالقوة أو على إعادة صياغة الهوية الدينية والتاريخية للمقدسات، بل على احترام القانون الدولي والحقوق المشروعة للشعوب. وأي محاولة لتغيير الوضع القائم في القدس ستُفسَّر على نطاق واسع باعتبارها تكريساً لسياسة فرض الأمر الواقع، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من فقدان الثقة بالمسار السياسي وبإمكانية التوصل إلى حلول عادلة ومستدامة. أما على المستوى العربي والإسلامي، فإن أي استهداف للوصاية الهاشمية أو لدور الأوقاف الإسلامية في القدس لا يمس الأردن وحده، بل يمس أحد أهم عناصر التوافق العربي والإسلامي بشأن إدارة المقدسات. فالوصاية الهاشمية لم تكن مجرد ترتيبات إدارية، وإنما شكلت على مدى عقود صمام أمان ساهم في حماية الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات، وفي الحد من محاولات تغيير هويتها أو طابعها. وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية خاصة تجاه القدس باعتبارها مدينة ذات مكانة استثنائية في الوعي الإنساني والديني العالمي. فاستمرار الصمت الدولي إزاء أي محاولات لتغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم من شأنه أن يضعف منظومة القانون الدولي نفسها، ويعزز منطق القوة على حساب الشرعية الدولية. إن المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة جديدة في القدس، بل منع نشوء الأزمة من الأساس. فالأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحققان من خلال إعادة هندسة المقدسات أو فرض ترتيبات أحادية الجانب، وإنما عبر احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم، والالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وإحياء مسار سياسي جاد يفضي إلى سلام عادل وشامل. توصيات استراتيجية أولاً: على المستوى الفلسطيني توحيد الموقف الوطني الفلسطيني تجاه قضية القدس بعيداً عن الانقسامات السياسية. تعزيز الحضور السياسي والقانوني والإعلامي في المحافل الدولية للدفاع عن الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى. دعم صمود المقدسيين والمؤسسات الوطنية العاملة في القدس. ثانياً: على المستوى الأردني مواصلة التمسك بالوصاية الهاشمية باعتبارها ركيزة أساسية لحماية المقدسات. تكثيف التحرك الدبلوماسي والقانوني في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لحماية الوضع القائم. تعزيز الدعم المادي والإداري لدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس. ثالثاً: على المستوى العربي والإسلامي بلورة موقف عربي وإسلامي موحد يرفض أي تغيير أحادي للوضع القائم في المسجد الأقصى. تفعيل دور جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في حماية المقدسات. إنشاء صندوق عربي وإسلامي دائم لدعم القدس وسكانها ومؤسساتها. رابعاً: على المستوى الدولي إلزام جميع الأطراف باحترام قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقدس. رفض أي إجراءات أحادية تهدف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات. دعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على الطابع الديني والثقافي والتاريخي لمدينة القدس. إن مستقبل القدس لا ينبغي أن يُرسم وفقاً لمعادلات القوة أو الحسابات السياسية الآنية، بل وفقاً لمبادئ العدالة والقانون الدولي واحترام الخصوصية الدينية والتاريخية للمدينة المقدسة. وأي مساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى لن يهدد الفلسطينيين أو الأردنيين وحدهم، بل سيهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوتر والصراع في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى الأمن والسلام والتنمية
