منظمة التحرير الفلسطينية.. من استعادة الهوية الوطنية إلى تجسيد الشخصية الفلسطينية

 بقلم: موسى الصفدي

عندما نتناول منظمة التحرير الفلسطينية، يخرج بين الحين والآخر من يحاول التقليل من دورها التاريخي أو النيل من مكانتها الوطنية، متكئاً على قراءات مبتورة للتاريخ أو على مواقف سياسية آنية تتجاهل حقائق راسخة لا يمكن القفز فوقها. ومن المفارقات أن بعض الأصوات التي تهاجم المنظمة اليوم لم تعش المراحل التي سبقت تأسيسها، ولم تدرك حجم التحول الذي أحدثته في مسيرة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. لقد تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 بقرار من القمة العربية الأولى في القاهرة، لتكون إطاراً وطنياً جامعاً للشعب الفلسطيني، ثم ما لبثت أن تحولت إلى عنوان النضال الوطني الفلسطيني وإلى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهو الاعتراف الذي أقرته القمة العربية في الرباط عام 1974، قبل أن تؤكده الأمم المتحدة بمنح المنظمة صفة مراقب في العام نفسه. قبل انطلاقة المشروع الوطني الفلسطيني المعاصر بقيادة منظمة التحرير، كانت القضية الفلسطينية مهددة بالتهميش والذوبان في خضم الصراعات الإقليمية والدولية. وكان الفلسطيني يُنظر إليه في كثير من المحافل الدولية باعتباره مجرد لاجئ ينتظر المساعدات الإنسانية والإغاثية من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بينما كانت الرواية الصهيونية تسعى إلى تصوير الشعب الفلسطيني وكأنه تجمع بشري فقد ارتباطه بأرضه وتاريخه. جاءت منظمة التحرير الفلسطينية لتقلب هذه الصورة رأساً على عقب. فقد نقلت القضية الفلسطينية من خانة "مشكلة اللاجئين" إلى قضية شعب يناضل من أجل حقه في تقرير المصير والاستقلال والعودة. وأعادت تقديم الفلسطيني للعالم بوصفه صاحب قضية وطنية عادلة، لا مجرد متلقٍ للمساعدات أو ضحية تنتظر الشفقة الدولية. وكان خطاب الشهيد القائد ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1974 محطة مفصلية في هذا التحول، حين خاطب العالم قائلاً: "جئتكم أحمل غصن الزيتون بيد وبندقية الثائر باليد الأخرى". ومنذ تلك اللحظة أصبحت القضية الفلسطينية حاضرة بصورة دائمة على أجندة المجتمع الدولي، وتحولت منظمة التحرير إلى عنوان سياسي معترف به دولياً للشعب الفلسطيني. كما أسهمت المنظمة في إعادة بناء الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة بعد محاولات طمسها وتشتيتها. فأنشأت المؤسسات الوطنية والاتحادات الشعبية والنقابية والطلابية، وحافظت على الشخصية الوطنية الفلسطينية في أماكن اللجوء والشتات، وربطت الفلسطيني أينما كان بقضيته الوطنية وبحقه التاريخي في وطنه. أما الادعاءات التي تحاول و حاولت عبر العقود تحميل الفلسطيني مسؤولية نكبته أو اتهامه ببيع أرضه والتفريط بحقوقه، فقد تصدت لها منظمة التحرير من خلال تثبيت الرواية الوطنية الفلسطينية وتوثيق الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، وتأكيد أن ما جرى كان عملية اقتلاع منظمة لشعب كامل من أرضه، وليس نتيجة خيارات فردية أو جماعية كما روجت الدعاية الصهيونية. إن النقد حق مشروع، بل ضرورة لأي تجربة وطنية، ومنظمة التحرير الفلسطينية ليست فوق النقد أو المراجعة. غير أن الفرق كبير بين النقد الهادف إلى التطوير والإصلاح، وبين محاولات التشكيك بشرعية المنظمة أو التقليل من مكانتها التاريخية. فهذه المنظمة لم تكن يوماً فصيلاً من الفصائل، بل كانت وما زالت الإطار الجامع للشعب الفلسطيني بكل مكوناته السياسية والاجتماعية والوطنية. ولذلك فإن الذين لم يعايشوا المراحل التي سبقت قيام منظمة التحرير، ربما يجدر بهم أن يستمعوا إلى روايات الآباء والأجداد الذين شهدوا كيف كان الفلسطيني قبلها وكيف أصبح بعدها؛ كيف انتقل من شعب مهدد بالغياب السياسي إلى شعب يمتلك عنواناً وطنياً معترفاً به في العالم، وكيف تحولت قضيته من ملف منسي إلى واحدة من أبرز قضايا التحرر الوطني في العصر الحديث. ستبقى منظمة التحرير الفلسطينية، رغم كل التحديات والأخطاء والانتقادات، الإنجاز الوطني الأبرز في التاريخ الفلسطيني المعاصر، والوعاء السياسي الجامع الذي حفظ الهوية الوطنية الفلسطينية ومثّل إرادة الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. فمنظمة التحرير الفلسطينية ليست فصيلاً سياسياً بين الفصائل، بل هي التعبير السياسي والمؤسسي عن الكل الفلسطيني، والبيت الوطني الجامع الذي تتجسد فيه وحدة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة.

البوابة 24