حوار على ضفاف نبع العوجا: بين هدير الماء الصامد وضجيج الشاشات

بقلم:محمد قاروط أبو رحمه
التقى محمد وأحمد عند نبع العوجا في أريحا، حيث تلتقي برودة المياه الجارية بحرارة الأغوار اللاهبة. كان محمد يرتدي ملابسه الرياضية ويجفف عرقه بعد جولته الصباحية مع "فريق الفجر الرياضي"، بينما كان أحمد يمسك هاتفه ويتابع الأخبار بقلق.
التفت أحمد نحو محمد، وقال بنبرة لائمة ومستفزة:
— "يا محمد، أرى صوركم يومياً هنا في العوجا.. ولكن الاستيطان يتمدد، وقطعان المستوطنين يقتحمون النبع والمناطق المحيطة به كل يوم ويهددون المزارعين والمربين. أخبرني بالله عليك: ماذا أنتم فاعلون؟! ما فائدة الرياضة أمام هذا التغول؟"

نظر محمد إلى مياه النبع الجارية، ثم التفت إلى أحمد بهدوء وثقة وقال:
— "سؤالك هذا يا أحمد يتردد كثيراً خلف الشاشات. يخرج علينا شخص ما، من مكان آمن ما، ليوجه اللوم للناس بدم بارد. لكن دعني أقول لك أنت أيها القائل: ماذا فعلت أنت؟"

أصيب أحمد بالارتباك قليلاً، وحاول الدفاع عن نفسه:
— "أنا أتابع، وأكتب، وأفضح ممارساتهم على منصات التواصل ليعرف العالم ما يجري!"

ابتسم محمد ابتسامة خفيفة مليئة بالمعاني، وأجابه:
— "يا صديقي، هناك فرق شاسع بين النضال الافتراضي وصناعة الصمود على الأرض. أنت تسألني ماذا نحن فاعلون؟ نحن هنا مع (فريق الفجر الرياضي) ووجهاء المنطقة والمتطوعين نتواجد يومياً منذ خيوط الفجر الأولى. وجودنا بأجسادنا، وهتافنا، ونشاطنا الرياضي هو خط الدفاع الأول الذي يمنع المستوطنين من الاستفراد بالنبع وتحويله إلى متنزه خاص بهم ومصادرة شريان الحياة للأغوار."

صمت أحمد للحظة، فأكمل محمد وعيناه تتأملان الجبال المحيطة بالنبع:
— "الاستيطان في العوجا يسعى لتهجير التجمعات البدوية والمزارعين عبر قطع المياه عنهم وترهيبهم. عندما نأتي إلى هنا يومياً، نحن نثبت الهوية الفلسطينية للمكان، وندعم صمود أهلنا، ونشكل درعاً بشرياً لحمايتهم. هذا هو الفعل الحقيقي على الأرض، وليس التباكي وتوجيه أصابع الاتهام عبر الهواتف الفاخرة من الغرف المكيفة."

أومأ أحمد برأسه، وبدا عليه التأثر وقال:
— "أفهم من كلامك أن تواجدكم هنا ليس مجرد نزهة أو رياضة، بل هو شكل من أشكال المقاومة الشعبية وتثبيت الأرض."
رد محمد وهو يضع يده على كتف أحمد:
— "بالتأكيد. الأرض لا تحميها الشعارات الرقمية التي تلوم الضحية، بل تحميها الأقدام الثابتة عليها. من يغرس وجوده هنا كل فجر لا يملك الوقت لتوجيه سياط التوبيخ للناس، بل ينشغل بالعطاء. وقبل أن يسأل أي شخص من وراء شاشته (ماذا أنتم فاعلون؟)، عليه أن يسأل نفسه أولاً: ماذا قدمتُ أنا ليبقى نبع العوجا عربياً خالصاً؟"

ويا احمد

نحن نقوم بما يجب ان نقوم به، بغض النظر عن الظروف وعن نتيجة جهودنا. نخفق واحيانا نفشل، لكن التجربة علمتنا ان النصر للمثابرين والصمدين.

البوابة 24