بيضة في زمن الشُّح.. رفاهية لا تملكها غزة

البيض في غزة
البيض في غزة

غزة/ سماح شاهين

لا يحتاج رامي جودة الكثير لابنه محمد، بيضة، قطعة لحم، وجبة تعيد لجسده ما أخذته منه الحرب، بعد أن فقد إحدى قدميه بينما خضعت قدمه الأخرى لعملية تثبيت بواسطة ( البلاتين) ما يجعله بحاجة إلى تغذية صحية غنية بالبروتينات والعناصر الضرورية لتقوية العظام وتسريع التعافي.

يقول رامي لـ"شبكة نوى" إن المجاعة ونقص الغذاء أثّرا بشكل مباشر على صحة ابنه، لا سيما مع اختفاء العديد من الأصناف الأساسية من الأسواق، وعلى رأسها البيض واللحوم.

ويضيف أن البيض يُعد من أهم الأغذية التي أوصى بها الأطباء لدعم حالة محمد الصحية، إلا أن القيود المفروضة على دخول كميات كافية منه إلى القطاع خلال الأشهر الماضية أدت إلى شحه وارتفاع أسعاره بصورة كبيرة.

مع وصول سعر طبق البيض إلى نحو 40 شيكلًا، يجد رامي نفسه عاجزًا عن توفيره لابنه بشكل منتظم، خاصة بعد فقدانه مصدر رزقه خلال الحرب.

وبين متطلبات العلاج وارتفاع تكاليف المعيشة، يعيش الأب حالة من القلق المستمر خشية أن يؤثر سوء التغذية على تعافي محمد، الذي لا يزال يصارع آثار إصابته وسط ظروف إنسانية ومعيشية تزداد قسوة يومًا بعد يوم.

بحالة من الصدمة تتحدث رغدة أبو جبل، وهي أم لطفلين أكبرهما مريم (10 أعوام)، تقول لـ نوى :" لم أتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه البيض، الذي اعتادت أسرتي على تناوله بشكل شبه يومي، وجبة نادرة يصعب العثور عليها في قطاع غزة".

فمنذ اختفائه من الأسواق بسبب شح الإمدادات، بدأت معاناة جديدة داخل منزلها. ومع كل وجبة، كان طفلاها يسألان عن البيض الذي غاب طويلًا عن مائدتهما، خاصة بعد أن يشاهداه في مقاطع الفيديو والصور المتداولة عبر الإنترنت.

وتقول رغدة لـ"شبكة نوى" إن طفليها لم يتوقفا عن السؤال يوميًا عن موعد إحضاره، وكانت تشعر بالعجز في كل مرة تضطر فيها لإخبارهما بأنها لا تستطيع توفيره. وفي أحيان كثيرة، كانت الدموع تسبق الكلمات على وجهيهما الصغيرين عندما تدركان أن طلبهما البسيط لن يتحقق.

وتوضح أن بعض الصفحات التجارية كانت تعلن بين الحين والآخر عن توفر كميات محدودة من البيض، فتسارع لمحاولة الحصول عليها، لكنها كانت غالبًا تنجح في شراء عدد قليل من البيضات لا يكفي سوى ليوم واحد، فيما يتجدد طلب طفليها في اليوم التالي.

وتضيف أن الألم لم يكن نابعًا من غياب البيض بحد ذاته، بل من الشعور القاسي بالعجز عن تأمين احتياجات غذائية أساسية لطفليها، في ظل الغلاء المتصاعد وشح السلع وتدهور الأوضاع المعيشية.

ومع تراكم الأشهر، تحولت رغبة الطفلين في تناول البيض إلى أمنية مؤجلة. لكن حين أعلنت وزارة الاقتصاد عن فتح نقاط توزيع لبيع نصف طبق بيض بسعر 20 شيكلًا، سارعت رغدة للحصول على حصتها.

وتصف اللحظة التي عادت فيها إلى المنزل حاملة البيض بأنها من أكثر اللحظات تأثيرًا بالنسبة لطفليها، إذ ارتسمت الفرحة على وجهيهما فور رؤيته، وكأنهما استعادا شيئًا غاب عنهما طويلًا. وتقول إن تلك الفرحة البسيطة كانت كفيلة بأن تكشف حجم الحرمان الذي عاشه الأطفال خلال الأشهر الماضية، حين تحولت مادة غذائية أساسية إلى حلم يصعب الوصول إليه.

في مشهد مشابه، وقف لؤي حجازي لساعات طويلة في طابور أمام إحدى نقاط توزيع البيض التي أُنشئت مؤخرًا في قطاع غزة، على أمل الحصول على كمية تكفي أسرته المكونة من ستة أفراد، بعد أشهر من غياب البيض عن مائدتهم، يقول لـ نوى :" الأمر ليس مجرد شراء سلعة غذائية بل سعي لتوفير مصدر غذائي أساسي افتقدته عائلتي فترة طويلة".

ويقول حجازي لـ"شبكة نوى" إن الحصول على البيض أصبح يتطلب مشقة كبيرة وجهدًا يفوق ما كان يتخيله يومًا، رغم أنه من المواد الغذائية التي يفترض أن تكون متوفرة بشكل طبيعي في الأسواق.

ويضيف أن المواطنين باتوا يضطرون للوقوف في طوابير طويلة ومزدحمة من أجل شراء كميات محدودة، بعد أن أدى نقص الإمدادات إلى شح المعروض وارتفاع الطلب عليه.

ويشير إلى أن غياب البيض عن الأسواق لأشهر حرم آلاف الأسر من مصدر مهم للبروتين، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى الذين يحتاجون إلى غذاء متوازن.

ويؤكد أن العائلات في غزة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على المعلبات والأغذية المتوفرة بكميات محدودة، في ظل تراجع التنوع الغذائي وصعوبة الوصول إلى المواد الأساسية.

ويرى حجازي أن الأزمة لا تقتصر على نقص سلعة بعينها، بل تعكس واقعًا معيشيًا وصحيًا متدهورًا يعيشه السكان، حيث تحولت مواد غذائية أساسية كانت متاحة للجميع إلى احتياجات يصعب الحصول عليها.

وبين ساعات الانتظار الطويلة والبحث المستمر عن الغذاء، يأمل أن تعود السلع الأساسية إلى الأسواق بصورة منتظمة، بما يخفف من معاناة الأسر التي تكافح يوميًا لتأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية.

من جانبه، قال مدير عام السياسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد الوطني بغزة، محمد بربخ، إن سوق البيض في قطاع غزة يواجه أزمة توريد حادة في ظل توقف خط الإمداد المصري واعتماد السوق حاليًا على الخط الإسرائيلي فقط.

وأوضح بربخ، لـ"شبكة نوى"، أن الكميات الواردة من البيض لا تتجاوز شاحنة واحدة يوميًا في أفضل الأحوال، مشيرًا إلى أن إجمالي ما وصل خلال شهر مايو لم يتعدَّ 38 شاحنة، وهو ما لا يغطي الحد الأدنى من احتياجات السوق المحلية.

وأضاف أن الوزارة، وفي ظل حالة الشح القائمة، تعمل على توزيع الكميات المتوفرة عبر نقاط توزيع معتمدة تخضع لرقابة مباشرة، مؤكدًا أن هذه النقاط غير ثابتة ويتم تغيير مواقعها مع كل دورة توزيع، بهدف ضمان وصول السلعة إلى مختلف المناطق بصورة عادلة ومنظمة.

وأشار إلى أن هذه الآلية تأتي في إطار السعي لتحقيق توزيع جغرافي شامل وتقليل الضغط على الأسواق، في ظل استمرار النقص في الإمدادات.

وفيما يتعلق بالأسعار، أوضح أن سعر الجملة لطبق البيض يبلغ نحو 37 شيكلًا، فيما يصل سعره للمستهلك إلى نحو 40 شيكلًا، مع وجود تفاوت محدود يرتبط بآلية التوزيع وحالة الشح في الكميات المتوفرة.

نوى