نقد التجربة وتطوير المسار: نحو فكر وطني فلسطيني أكثر التصاقاً بخصوصية القضية

 بقلم: موسى الصفدي

منذ البدايات الأولى لتشكل الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، مروراً بانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، سعت القوى الوطنية الفلسطينية إلى التعبير عن تطلعات شعبنا في الحرية والعودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرضه الوطنية. وقد استندت تلك القوى، شأنها شأن العديد من حركات التحرر الوطني في العالم، إلى تجارب ومدارس ثورية وكفاحية متنوعة، استلهمت منها وسائل النضال وأشكال التنظيم والرؤى السياسية التي اعتقدت أنها الأقرب لتحقيق أهدافها الوطنية. غير أن التجربة التاريخية الممتدة لعقود طويلة تكشف أن الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن فهم الخصوصية الوطنية الفلسطينية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والجغرافية والديموغرافية، ولا عن إدراك طبيعة البيئة العربية المحيطة وما شهدته من تحولات متلاحقة أثرت بصورة مباشرة على مسار القضية الفلسطينية. لقد ولدت معظم الدول العربية الحديثة في ظروف تاريخية معقدة ارتبطت بمرحلة الاستعمار الأجنبي وما أعقبها من ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية فرضتها موازين القوى الدولية والإقليمية آنذاك. وتركت تلك الظروف آثاراً عميقة على طبيعة الأنظمة السياسية العربية وعلى أولوياتها الوطنية وعلى قدرتها في التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية للأمة العربية. ولذلك لم يكن من الممكن التعامل مع الواقع العربي باعتباره كتلة واحدة متجانسة أو بيئة ثابتة يمكن الركون إلى معطياتها بصورة دائمة. وفي المقابل، كثيراً ما تعاملت بعض الاتجاهات داخل الحركة الوطنية الفلسطينية مع التجارب الثورية العالمية باعتبارها نماذج جاهزة قابلة للاستنساخ، دون إخضاعها بالقدر الكافي لاختبار الواقع الفلسطيني وتعقيداته الخاصة. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد قضية تحرر وطني بالمعنى التقليدي، بل هي قضية شعب تعرض للاقتلاع والتشريد، وما زال جزء كبير منه يعيش في الشتات، ويخوض نضاله ضمن تداخلات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، الأمر الذي يفرض مقاربات سياسية وتنظيمية تختلف عن كثير من تجارب التحرر الوطني الأخرى. ومن هنا تبرز أهمية المراجعة الوطنية المستمرة باعتبارها ضرورة ثورية وليست ترفاً فكرياً. فالثورات الحية هي تلك التي تمتلك القدرة على نقد ذاتها وتطوير أدواتها وتجديد رؤاها بما يتناسب مع المتغيرات. أما الجمود عند اجتهادات سابقة أو التمسك الحرفي بنماذج تاريخية فقد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الحركة الوطنية وبين الواقع الذي تعمل داخله. إن المحافظة على الثوابت الوطنية الفلسطينية لا تتعارض مع تطوير وسائل العمل الوطني أو تحديث البنى التنظيمية أو إعادة قراءة التجارب السابقة. بل إن حماية المشروع الوطني الفلسطيني تقتضي امتلاك الشجاعة الكافية لإجراء مراجعات دورية للبرامج والسياسات والأنظمة الداخلية، بما يضمن تعزيز قدرة مؤسسات الحركة الوطنية على تمثيل مصالح شعبنا والدفاع عن حقوقه التاريخية غير القابلة للتصرف. ولعل التجربة التي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها تقدم نموذجاً مهماً على أهمية التكيف مع المتغيرات دون التخلي عن الثوابت. فقد استطاعت المنظمة، رغم كل التحديات، أن تنقل القضية الفلسطينية من حالة التهميش الدولي إلى موقع الاعتراف السياسي والقانوني العالمي، وأن تكرس الهوية الوطنية الفلسطينية باعتبارها حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها أو القفز عنها. غير أن هذا الإنجاز التاريخي يفرض في الوقت ذاته مسؤولية مواصلة التطوير والتجديد بما يحافظ على مكانة المنظمة باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. إن المرحلة الراهنة، بما تشهده من تحولات إقليمية ودولية متسارعة، تتطلب من الحركة الوطنية الفلسطينية قراءة عميقة للواقع الجديد، وإعادة بناء أدواتها الفكرية والتنظيمية على أساس فهم أدق لخصوصية الحالة الفلسطينية ولمصالح شعبنا في الوطن والشتات. فالمطلوب ليس القطيعة مع الإرث النضالي للحركة الوطنية، بل البناء عليه وتطويره وإغناؤه بما ينسجم مع متطلبات العصر ومع طبيعة الصراع الذي يخوضه شعبنا. فالثورة الفلسطينية لم تكن يوماً مشروعاً جامداً، وإنما حركة تحرر وطنية متجددة تستمد شرعيتها من قدرتها على التعبير عن آمال شعبها والدفاع عن حقوقه. وكلما ازدادت قدرتها على المراجعة والتطوير والنقد المسؤول، ازدادت قوةً وحضوراً وتأثيراً، واقتربت أكثر من تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

البوابة 24