في ذكرى الانقسام.. هل من ضوء في نهاية النفق؟

د. منصور أبو كريم

باحث في الشؤون السياسية

تحل ذكرى الانقسام الفلسطيني هذا العام فيما يعيش الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر مراحله مأساوية، في ظل حرب مستمرة وما خلفته من قتل ودمار وتشريد وتجويع، ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول المسار السياسي الذي أوصل القضية إلى هذا الواقع، وحول طبيعة الخيارات التي تراكمت عبر السنوات.

بدأ الانقسام قبل نحو عقدين كخلاف سياسي على السلطة وإدارة المشهد الوطني، لكنه سرعان ما تحوّل إلى واقع دائم أنتج سلطتين وبرنامجين سياسيين متباينين، ما أدى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني على أسس الانقسام لا الوحدة. ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد أزمة عابرة، بل أصبح عاملًا بنيويًا أثر في كل مستويات الحياة الوطنية، وأضعف القدرة على صياغة مشروع وطني جامع.

ورغم التحذيرات المبكرة من خطورة استمرار الانقسام، إلا أن التعامل معه اتسم في كثير من المراحل بالرهان على الوقت أو على تسويات جزئية لم تنجح في معالجة جذور الأزمة. ومع تراكم السنوات، تحوّل الانقسام من حالة سياسية طارئة إلى واقع معقد تتداخل فيه المؤسسات والمصالح والاعتبارات الإقليمية والدولية، ما جعل تجاوزه أكثر صعوبة وتعقيدًا.

 

كما جاء السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب مدمرة ليشكل نقطة تحول كبرى، ليس فقط في مسار الصراع، بل في كشف حجم الضعف البنيوي الذي أصاب الحالة الفلسطينية. فبغض النظر عن المواقف المختلفة من الحدث، فإن تداعيات الحرب أظهرت بوضوح الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب الفلسطيني عندما يدخل مواجهة كبرى وهو منقسم سياسيًا ومؤسساتيًا، دون مرجعية وطنية موحدة قادرة على إدارة الأزمات أو توحيد القرار.

 

لقد وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام حرب مفتوحة ذات كلفة إنسانية غير مسبوقة، حيث تتسع دوائر القتل والدمار والنزوح، في ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة، وتعدد مراكز القرار، وتباين الأولويات. ومع استمرار الحرب، لم تعد الخسائر مقتصرة على الجانب الإنساني فقط، بل امتدت إلى تآكل البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ما جعل آثارها طويلة الأمد على المشروع الوطني برمته.

 

ورغم فداحة الكارثة، لم تبرز حتى الآن مراجعة سياسية شاملة تتناسب مع حجم الحدث، إذ ما زالت الحسابات الفصائلية والرهانات الجزئية تطغى على منطق المصلحة الوطنية الجامعة. كما أن الجهود المبذولة لوقف الحرب أو التوصل إلى اتفاق ينهيها تواجه تعقيدات متعددة، بعضها مرتبط بالواقع الدولي، وبعضها الآخر مرتبط بالانقسام الداخلي وتعدد المرجعيات السياسية.

إن استمرار الحرب وتحولها إلى حالة استنزاف طويلة الأمد يعمّق الأزمة أكثر، ويجعل من الصعب إعادة بناء مقومات الصمود الوطني. فكل يوم إضافي من الصراع يعني مزيدًا من الخسائر البشرية، وتراجعًا إضافيًا في قدرة المجتمع الفلسطيني على التعافي وإعادة البناء.

في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال الجوهري حول جدوى استمرار السياسات الحالية، وحول قدرة الحالة الفلسطينية على الاستمرار في ظل هذا الانقسام الممتد. فالتجارب التاريخية تثبت أن الشعوب التي تفشل في مراجعة مساراتها في لحظات الأزمات الكبرى، تدفع أثمانًا مضاعفة لاحقًا.

إن القضية الفلسطينية اليوم بحاجة إلى أكثر من إدارة للأزمة؛ إنها بحاجة إلى إعادة بناء للمشروع الوطني على أسس جديدة تعيد الاعتبار للوحدة الوطنية، وتضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الفصائلية، وتؤسس لمرجعية سياسية قادرة على التعامل مع التحديات الكبرى.

ورغم قتامة المشهد، فإن الأمل لا يزال ممكنًا، لكنه مرهون بوجود إرادة سياسية حقيقية تعترف بالأخطاء وتعمل على تصحيحها، لأن استمرار النهج ذاته لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها بأشكال أكثر قسوة.

ويبقى السؤال مفتوحًا في ذكرى الانقسام: هل يظهر الضوء في نهاية النفق، أم يستمر طالما استمرت أسبابه؟ وهل تمتلك القوى السياسية الشجاعة الكافية للخروج من دائرة الرهانات الخاسرة قبل فوات الأوان؟

البوابة 24