أنقذوا ما تبقي من الإنسان صرخات الخيام ومقصلة المعايير القاتلة

بقلم:مازن موسي طبيل

​لم يعد هناك متسع من الوقت للمناشدات ولا رفاهية لانتظار الوعود في غزة اليوم لم يعد الموت يزور الناس من غير سابق انذار عبر القذائف فحسب بل بات يستوطن تفاصيلهم اليومية ينهش اجسادهم ببطء شديد تحت سقف خيامٍ مهترئة تعج باهات المصابين وصرخات المرضى إنها صرخة نطلقها من قلب الوجع الإنساني انقذوا ما تبقى من الانسان الفلسطيني فالاجساد تعبت والقلوب تفطرت ولم يعد في الطاقة متسع لصمت دولي اخر. وفي قلب هذه الظلمة الحالكة يقف اطباء غزة وممرضوها وكوادرها الاسعافية كالجبال الراسخة لقد فعلوا المستحيل وقدموا كل ما يملكه بشر من طاقة وجهد ودماء واصلوا الليل بالنهار واجروا العمليات المعقدة على أضواء الهواتف وبلا تخدير متجاوزين كل حدود الطاقة البشرية لانقاذ الارواح لكن الارادة وحدها لا تصنع المعجزات امام انعدام الامكانيات فلا الادوية متوفرة ولا المستهلكات الطبية موجودة ولا الاجهزة صالحة للعمل مما جعلهم يقفون بقلوب مفطرة عاجزين امام حالات كان يمكن انقاذها بجرعة دواء او غطاء معقم إن هذا الانهيار الكارثي ليس نتاج صدفة بل هو نتاج مباشر لسياسة الحكومة الإسرائيلية الممنهجة في خنق الوضع الصحي بغزة عبر إغلاق المعابر ومنع دخول الأجهزة الطبية والأكسجين والأدوية الحيوية واستهداف المستشفيات بشكل مباشر وتدمير بنيتها التحتية وتحويل الحق الانساني في العلاج إلى اداة للعقاب الجماعي والموت البطيء ​لقد تحولت هذه البقعة الجغرافية المحاصرة الى مقبرة جماعية متحركة لاصحاب الامراض حيث يواجه الالاف حكما بالإعدام المفتوح بلا ذنب الأرقام هنا ليست مجرد إحصائيات تتلى في المؤتمرات بل هي دماء نازفة واطراف بترت واقدام تمزقت جراحها بلا تخدير وتركت للالتهابات في بيئة تفتقر لابسط مقومات التعقيم هناك في زوايا الخيام المظلمة ينام مرضى الفشل الكلوي على جمر القلق والخوف من توقف الأجهزة الشحيحة بينما يقف مرضى السرطان عاجزين يرقبون اورامهم وهي تلتهم خلاياهم بعد ان دمرت مراكز علاجهم تماما ​ولا تتوقف الماساة عند القضايا الكبرى بل تمتد لتخنق أصحاب الأمراض المزمنة مرضى الربو والجهاز التنفسي يصارعون الموت مع كل ذرة غبار ودخان قصف يستنشقونه ومرضى العيون يفقدون ابصارهم لغياب قطرة ماء معقمة أو جراحة بسيطة واصحاب القلوب العليلة تخذلهم نبضاتهم لعدم توفر الرعاية والادوية الاساسية كل هذا يحدث تحت عين العالم بلا جدران تحمي ولا اسرة ترفع الأجساد المنهكة عن تراب الارض الحارق او البارد ولا ادوات طبية تسعف الروح ​لكن الوجه الأكثر قسوة ومرارة في هذه الفاجعة ليس نقص الدواء وحده بل هي تلك البيروقراطية والمؤامرة الصامتة التي تغلف ملف العلاج في الخارج اعداد ضئيلة وشحيحة هي التي تمنح صك النجاة للسفر بينما يتحجج الجميع بـ المعايير والشروط وتأشيرات المرور وفي المقابل نرى مشهدا يندى له جبين البشرية فالكل يرمي حمله ومسؤوليته على الآخر والجهات تتقاذف الاتهامات والتنصل بينما المريض الغزي سواء كان طفلا يصرخ او امراة تتلوى او شيخا يلفظ انفاسه هو الوحيد الذي يدفع الثمن من لحمه الحي ​انها لمفارقة مخزية وتاريخية تكشف عورة النظام العالمي في هذا الكون المتحضر تسخر القوانين وتصرف الملايين وتتحرك المنظمات لحماية حيوانات العالم وتوفير افضل سبل الرعاية لها بينما الانسان في غزة يُترك لمصيره وكانه سقط من حسابات الإنسانية والتصنيف البشري لا أحد يكترث لأنينه ولا أحد يتحرك لكسر هذا الحصار الطبي الجائر ​وفي الختام اننا نضع الجميع امام مسؤولياتهم التاريخية والاخلاقية دون مواربة ان المسؤولية تقع كاملة على عاتق المجتمع الدولي الصامت والمنظمات الاممية التي باتت تصدر بيانات العجز وكل جهة سياسية او اغاثية قدمت الحسابات والمناكفات على أرواح الأبرياء تحركوا الآن افتحوا المعابر بلا قيد او شرط واسقطوا معايير السفر القاتلة قبل ان تخلو الخيام من اصحابها ان التاريخ لن يرحم المتواطئين وسيسجل بمداد من عار صمت كل من راى هذه الإبادة الطبية ولم يحرك ساكناً لانقاذ ارواح معلقة بين الحياة والموت.

غزة

البوابة 24